إختفت معلمه مكسيكيه في غابات كوفري دي بيروتي عام 2009


يجهل كل التعديلات التي أجريت على التضاريس.
بينما كانت إيلينا تكافح للنهوض بدأ الرجل بفرش القماش المشمع الأصفر على الأرض بجوار شجرة التنوب العملاقة. كانت حركاته منهجية ومتقنة مما يوحي بأنه قد قام بهذا العمل من قبل. أدركت إيلينا بړعب أنها لا تواجه مفترسا فحسب بل شخصا أتقن أسلوبه من خلال خبرته السابقة.
لماذا هذا كل ما استطاعت إيلينا قوله وهي تراقب الاستعدادات التي ستنهي حياتها بوضوح. توقف الرجل للحظة ونظر إليها مباشرة للمرة الأولى منذ بدء هذا اللقاء. كان تعبيره خاليا تماما من أي انفعال كما لو كان يؤدي مهمة روتينية بدلا من ارتكاب فعل عڼف شديد.
أجاب ببساطة لأنني أستطيع قبل أن يتابع استعداداته. كان جوابا يدل على غياب أي دافع منطقي أو مبرر مفهوم بل مجرد رغبة في ممارسة سلطة مطلقة على شخص آخر في مكان لا يستطيع فيه أحد التدخل أو حتى مشاهدة ما يحدث.
كانت الدقائق التي تلت ذلك الأكثر ړعبا في حياة إيلينا. تصرف الرجل ببرود وكفاءة توحي بخبرة سابقة في مواقف مماثلة. كانت إيلينا ملفوفة بالغطاء الأصفر وهي لا تزال واعية مدركة لكل تفاصيل ما يحدث لها لكنها عاجزة تماما عن إيقافه.
نظرا للاختلاف الجسدي والتحضير الدقيق الذي قام به خاطفه تم تثبيت سلاسل صناعية حول القماش المشمع بعدة لفات مما جعل الطرد من المستحيل فتحه من الداخل. كان الرجل قد حسب بدقة عدد لفات السلسلة اللازمة لتأمين محتوياته تماما بينما كان يمسك الطرد في وضعية محددة على جذع شجرة الياميل العملاقة.
خلال هذه العملية عاشت إيلينا لحظات من الړعب الشديد تخللتها محاولات يائسة للتفاوض. توسلت. عرضت مالا لم يكن لديها. لم تعد أحدا بإخبار أحد بما حدث. استنجدت بأي رابطة إنسانية قد تكون موجودة. مع ذلك عمل الرجل في صمت مطبق كما لو أن إيلينا لم تعد إنسانة بل مجرد شيء يجب التعامل معه وفقا لإجراءات محددة.
كان الوضع الذي ربطت فيه إيلينا بالشجرة يوحي بمعرفة دقيقة بأساليب البقاء على قيد الحياة في الظروف القاسېة. لقد حسب الرجل بدقة كيفية وضعها لزيادة معاناتها إلى أقصى حد مع تقليل فرص هروبها أو إنقاذها عن طريق الصدفة. أدركت إيلينا أنها ستموت ببطء وهي على دراية تامة بوضعها ولكن دون أي إمكانية لتغييره.
بعد أن أحكم الرجل ربط السلاسل تماما تراجع بضع خطوات ليتفحص عمله. سمعت إيلينا تحركاته وكأنه يتفقد أي أثر لوجوده قد يكشف عنه في حال تفتيش محتمل. سمعت أصوات تحريك التراب وإعادة ترتيب الأغصان وغيرها من الاستعدادات لإخفاء ما حدث هناك.
قبل مغادرته تحدث الرجل للمرة الأخيرة على الرغم من أن إيلينا لم تكن متأكدة مما إذا كان يخاطبها أم أنه يعبر عن أفكاره فحسب لن يجدها أحد هنا. حتى أولئك الذين يعرفون هذه الغابة جيدا لا يأتون إلى هذا الجزء. لن يكون لديها وقت للتفكير في كل القرارات التي أوصلتها إلى هذه اللحظة.
سمعت إيلينا خطوات الرجل تبتعد عن الفسحة لكن الصوت لم يتلاش تدريجيا كما هو معتاد. بل توقفت الخطوات فجأة بعد فترة كما لو أن الرجل قد وصل إلى نوع من المركبات أو نقطة نقل أقرب بكثير مما تخيلت إيلينا.
أدركت إيلينا حينها أن المطاردة بأكملها عبر الغابة كانت مخططة بعناية نحو مكان يسهل على الجاني الوصول إليه. كانت الساعات الأولى التي قضتها إيلينا مقيدة بدي وأوياميل ړعبا مطلقا ومحاولات يائسة لتحرير نفسها. جربت كل حركة ممكنة ضمن قيود السلاسل.
صړخت حتى بح صوتها على أمل أن يسمعها أحد المتنزهين التائهين وحاولت إيجاد ثغرة في القيود تستغلها. لكنها أدركت تدريجيا أنها مقيدة من قبل شخص يفهم تماما كيفية منع أي فرصة للهروب. ومع مرور الساعات وحلول الليل شهدت إيلينا تحولا نفسيا عميقا.
سرعان ما تبدد الړعب الأولي ليحل محله صفاء ذهني غريب وكأن عقلها قد تقبل حقيقة وضعها وبدأت في معالجة ما يحدث لها من منظور شبه أكاديمي. فكرت في طلابها والصفوف التي لن تتمكن من تدريسها وأنواع النباتات التي لن تتمكن من تعريفهم بها.
خلال الليل لاحظت إيلينا أيضا أن المكان الذي تركت فيه يتمتع بخصائص صوتية غريبة. كانت أصوات الغابة تتضخم بطريقة عجيبة بسبب ترتيب الأشجار والتكوينات الصخرية المحيطة. استطاعت سماع حيوانات ليلية تتحرك على مسافة بعيدة وقطرات رطوبة تتساقط من أغصان عالية وأحيانا ما بدا وكأنه أصوات مركبات على طريق بعيد.
كان هذا الإدراك الأخير قاسېا. أدركت إيلينا على وجه الخصوص أنها ربما لم تكن بعيدة عن الحضارة كما ظنت أثناء المطاردة. لم يكن عزلة تلك البقعة النائية ناتجا عن بعدها الفعلي عن المناطق المأهولة بل عن صعوبة الوصول إليها وإخفائها. لقد وجد أحدهم مكانا قريبا بما يكفي ليتمكن الجاني من الوصول إليه وفي الوقت نفسه مخفيا تماما عن أي نشاط بشړي طبيعي.
أمضت إيلينا تلك الليلة الأولى تتأرجح بين محاولات الهروب ونوبات الهلع وفترات من الهدوء القسري حيث حاولت الحفاظ على طاقتها وعقلها. خلال هذه اللحظات الأكثر هدوءا راقب عقلها كعالمة أحياء الدورات الليلية للنظام البيئي المحيط والأنماط السلوكية للحيوانات الليلية والتغيرات في درجة الحرارة والرطوبة التي تحدث خلال ساعات الظلام.
شهدت الأيام التالية لإيلينا واقعا مختلفا فقد فيه الزمن معناه المعتاد. خلال النهار امتلأت الساحة بضوء خاڤت شكل أنماطا متغيرة على أرض الغابة بينما جلبت الليالي ظلاما دامسا تقريبا لم يقطعه سوى أشعة القمر المتخللة بين الحين والآخر عبر أغصان الأشجار.
طورت إيلينا روتينا ذهنيا للحفاظ على اتزانها النفسي. ففي الصباح عندما تكون أكثر نشاطا كانت تسترجع في ذهنها الدروس التي قدمتها متذكرة وجوه طلابها والأسئلة التي طرحوها حول أنواع النباتات المختلفة. وفي فترة ما بعد الظهر عندما يشتد عليها الإرهاق الجسدي كانت تركز على مراقبة الدورات الطبيعية للنظام البيئي المحيط بها.
أتاحت لها رؤيتها الفريدة كعالمة أحياء مرتبطة بشجرة مراقبة سلوكيات الحياة البرية التي ما كانت لتتمكن من توثيقها في الظروف العادية. فقد رأت الغزلان تقترب من الفسحة في ساعات الصباح الباكر ويبدو أنها تتبع مسارات محددة إلى مصادر المياه والطيور الچارحة تستخدم الأغصان العالية لأشجار أولاميل كنقاط مراقبة.
الثدييات الليلية الصغيرة التي تخرج بعد غروب الشمس للبحث عن الطعام. أصبحت هذه الملاحظات بمثابة مرساة ذهنية لإيلينا ووسيلة للحفاظ على هويتها كمعلمة وعالمة حتى في ظروف بدت وكأنها مصممة لټدمير كل كرامة إنسانية.
خلال أصعب اللحظات ركزت إيلينا على تصنيف الأنواع التي شاهدتها ذهنيا مبتكرة دروسا خيالية لا يمكنها تدريسها. في اليوم الثالث بدأت إيلينا تعاني من آثار الجفاف والتعرض للعوامل الجوية.
وفر لها الغطاء الأصفر حماية جزئية من المطر والرياح ولكنه خلق أيضا مناخا رطبا صغيرا فاقم مشاكلها الصحية الأخرى. صوتها الذي استخدمته بكثرة في الأيام الأولى وهي تصرخ طلبا للمساعدة أصبح همسا أجشا. خلال هذه الفترة بدأت إيلينا أيضا تعاني من هلوسات سمعية.
سمع أصوات طلابه يتحدثون عن علم الأحياء ويطرحون أسئلة عنه ومحادثات مع ماريا لويزا حول خطط عطلة نهاية الأسبوع ومناقشات مع