إختفت معلمه مكسيكيه في غابات كوفري دي بيروتي عام 2009


جزئيا الطريق الذي أتت منه ولم توح لغة جسده بنوايا ودية.
سألت إيلينا هل نعرف بعضنا محاولة كسب الوقت بينما تبحث ذهنيا عن طرق هروب محتملة. لقد علمتها خبرتها في تسلق الجبال أن تحافظ على تركيزها حتى في المواقف العصيبة لكن وجود السلاسل على يدي الرجل أيقظ كل غرائزها للبقاء.
أعرفك يا أستاذة إيلينا. أعرف أنك تأتين إلى هنا كثيرا دائما بمفردك تبحثين دائما عن أماكن جديدة للتصوير. أكد هذا الرد أسوأ مخاۏف إيلينا. لقد كان هذا الشخص يراقبها لفترة كافية ليتعرف على أنماط سلوكها. لم يكن لقاء عابرا بل نتيجة تخطيط محكم.
قامت إيلينا بتقييم خياراتها بسرعة. كان بإمكانها محاولة الركض بين النباتات الكثيفة والاختفاء بين الأشجار لكن من الواضح أن الرجل كان على دراية أفضل بالمنطقة وكان يحمل معدات تشير إلى أنه دبر هذا الموقف. كان بإمكانها أيضا محاولة إقناعه بتركها تذهب لكن وجود السلاسل دل على نوايا من المرجح أنها لا تشمل تحريرها.
اسمع لا أعرف ما الذي تريده لكن علي العودة. هناك أناس ينتظرونني وإذا لم أصل إلى موقف السيارات في الوقت المحدد فسوف يبحثون عني. كذبت إيلينا على أمل أن يردع ټهديد البحث الفوري الرجل عن أي خطة لديه. ارتجفت يداها قليلا وهي تعدل أحزمة حقيبة ظهرها ذات اللون الأخضر العسكري.
ابتسم الرجل ابتسامة أرعبت إيلينا. لا يا أستاذة لا أحد يعرف مكانك الآن تحديدا. لا أحد يعرف عن هذا الشلال أكثر منك ومني. لهذا السبب اخترته. أكدت كلماته أن هذا كان فخا محكما وأنه ربما استخدم منشور المدونة عن الشلال كطعم.
اتخذت إيلينا قرارا يائسا. ألقت بحقيبة ظهرها لتخفيف وزنها وبدأت بالركض نحو النباتات الكثيفة على أمل أن تعوض معرفتها بالمنطقة بخبرتها في اجتياز الغابات وسرعتها. كانت تسمع وقع أقدام الرجل الثقيلة يتبعها مصحوبا بصوت سلاسل معدنية.
دارت المطاردة عبر تضاريس وعرة للغاية. استخدمت إيلينا معرفتها بعلم النبات لاختيار مسارات عبر الغطاء النباتي يصعب على من يفتقر إلى الخبرة في النظم البيئية للغابات اتباعها. قفزت فوق جذوع الأشجار المتساقطة وانزلقت تحت الأغصان المنخفضة وغيرت اتجاهها مرارا وتكرارا محاولة تضليل مطاردها.
لكن بعد حوالي عشر دقائق من المطاردة الشديدة أدركت إيلينا أن الرجل لم يكن يلاحقها فحسب بل بدا وكأنه يقودها إلى مكان محدد. ففي كل مرة حاولت فيها تغيير اتجاهها والعودة نحو موقف السيارات كان يظهر من جهة مختلفة مما أجبرها على التوغل أكثر في الغابة.
كان الإدراك المرعب هو أن هذا الرجل يعرف منطقة وادي بيروت بأكملها معرفة تامة وربما أفضل من معرفة إيلينا بالمسارات السياحية الرئيسية. لم يكن يتبعها فحسب بل كان يقودها إلى مكان أعد فيه شيئا محددا. لم تكن السلاسل التي كانت ترتديها مرتجلة بل كانت جزءا من خطة كان يضعها منذ فترة.
وصلت إيلينا إلى فسحة صغيرة محاطة بأشجار أولاميل عتيقة. عندما أدركت أنها لم تعد تسمع وقع أقدام مطاردها كان الصمت المفاجئ أشد ړعبا من أصوات المطاردة. توقفت بجانب أكبر شجرة في الفسحة تحاول استعادة أنفاسها وتحديد خطوتها التالية.
في تلك اللحظة لاحظت إيلينا شيئا جعلها تدرك أنها وصلت إلى المكان الذي أرادها الرجل أن تكون فيه بالضبط. عند قاعدة شجرة التنوب العملاقة كان عليه أن يريهم آثار نشاط بشړي حديث أرض محفورة وعلامات على لحاء الشجرة وما بدا أنه استعدادات لتركيب شيء ما. لم يكن هذا لقاء عابرا بل كان تتويجا لخطة محكمة.
وقفت إيلينا الآن في الفسحة التي يبدو أنها أعدت مسبقا. كانت شجرة التنوب العملاقة في المنتصف تحمل علامات حديثة على لحائها كما لو أن أحدهم كان يختبر متانة جذعها أو يقيس محيط قاعدتها. بدت التربة وكأنها قد حړقت ثم أعيدت مما يوحي بأن أحدهم كان يحفر أو يدفن أشياء في ذلك المكان.
أصبح صمت الغابة خانقا. لم تعد إيلينا تسمع أصوات الحياة البرية المعتادة. لا تغريد طيور ولا حفيف حيوانات صغيرة بين الأوراق ولا حتى أزيز حشرات. بدا الأمر كما لو أن النظام البيئي بأكمله قد استشعر وجودا مهددا وقرر الاختباء حتى يزول الخطړ.
حاولت إيلينا تحديد موقعها مستعينة بأشعة الشمس المتسللة عبر أغصان الأشجار لكنها أدركت أنها توغلت في الغابة أكثر بكثير مما كانت عليه في رحلاتها السابقة. لم تتطابق التكوينات الصخرية وأنماط الغطاء النباتي مع أي شيء تتذكره من استكشافاتها السابقة لوادي بيروت.
تم اختيار هذا الموقع تحديدا لعزلته وصعوبة الوصول إليه. أثناء فحص المنطقة بحثا عن طرق هروب محتملة عثرت إيلينا على أدلة إضافية تشير إلى أن المكان قد تم تجهيزه بدقة متناهية. كانت هناك أكوام صغيرة من الحجارة تشير على ما يبدو إلى نقاط محددة وأغصان مقطوعة ومرتبة بعناية وما يبدو أنه بقايا طعام وأوعية تشير إلى أن أحدهم قضى وقتا طويلا هناك.
ظهر الرجل فجأة من بين النباتات خلف إيلينا يتحرك بمهارة من يعرف كل شجرة وكل صخرة في المنطقة معرفة تامة. كان يحمل في يديه ليس فقط السلاسل بل أيضا غطاء أصفر مطويا وما بدا أنها أدوات إضافية. كان من الواضح أنه كان يستعد لهذه اللحظة منذ مدة.
قال الرجل بهدوء أشد ړعبا من أي تعبير عن الڠضب لقد وصلنا إلى حيث كان ينبغي أن نكون يا أستاذ. هذا المكان مميز. قليلون هم من يعرفونه ومن يعرفونه يعرفون أن يلتزموا الصمت. أوحت كلماته بوجود حالات أخرى مماثلة ومواجهات أخرى في تلك البقعة نفسها لم تنته على خير.
حاولت إيلينا اتباع استراتيجية أخيرة للبقاء على قيد الحياة مناشدة ما تبقى من إنسانية لدى خاطڤها. أرجوك أنا مجرد معلمة. لدي طلاب يحتاجونني وأولياء أمور ينتظرونني. مهما كان ما تخطط له لست مضطرا لتنفيذه. يمكننا حل هذا الأمر بطريقة أخرى.
بدأ الرجل بفتح الغطاء الأصفر وهو يجيب دون أن ينظر إليها مباشرة أنت بالضبط ما كنت أبحث عنه يا أستاذة. شخص يأتي بمفرده إلى أماكن نائية. شخص يعتمد بشكل كبير على خبرته الشخصية. شخص لا يخبر أحدا بوجهته بالتحديد. أكد ردها أنها كانت تراقب سلوكه وتحلله لفترة كافية لمعرفة أنماط أمانه.
كانت السلاسل التي أحضرها صناعية بوضوح من النوع المستخدم في الإنشاءات الثقيلة أو لتثبيت الأحمال الثقيلة للغاية. لم تكن شيئا يمكن لأي شخص الحصول عليه بسهولة. بل تتطلب تخطيطا دقيقا وإمكانية الوصول إلى لوازم متخصصة. أدركت إيلينا أنها تتعامل مع شخص استثمر وقتا وموارد كبيرة في الاستعداد لهذا الموقف.
قامت إيلينا بمحاولة يائسة أخيرة للهرب فركضت نحو أكثر النباتات كثافة في الاتجاه المعاكس لمكان ظهور الرجل. ولكن بعد أمتار قليلة فقط تعثرت بشيء وضع عمدا في طريقها حبل مشدود بين شجرتين مصمم خصيصا لإسقاط أي شخص يحاول الفرار في ذلك الاتجاه.
أصابها السقوط بذهول مؤقت يكفي فقط ليتمكن الرجل من الإمساك بها. أدركت إيلينا أن حتى طرق هروبها المحتملة قد تم توقعها وإغلاقها. لم يتم اختيار هذه البقعة عشوائيا بل تم اختيارها بعناية ووضعها كفخ يكاد يكون من المستحيل الهروب منه لمن