تخلّت عائلتها عنها ولم تترك لها سوى بقرة واحدة إرثًا


تركوا لها شيئا حياتركوا لها رفيقة.
هبط الليل كثوب ثقيل. بدأ الخۏف يستولي على فالنتينا وحدها في الخلاء مع بقرة. صارت أصوات الحقول التي كانت مألوفة ومطمئنة مھددة. عواء ذئب بعيد جعلها تقفز. قالت بصوت مرتجف علينا أن نجد مكانا يا جيتانا. لا يمكن البقاء على الطريق. ابتعدت قليلا عن المسار الرئيسي تبحث عن مأوى فوجدت جدولا صغيرا بماء صاف بارد. ركعت وشربت بكفيها. كان الماء مثلجا لكنه روى حلقها. شربت جيتانا طويلا بامتنان. بحثت فالنتينا عن موضع تقضي فيه الليل فرأت مجموعة من أشجار المسكيت الكثيفة قرب جدار حجري قديم متهدم. لم يكن كثيرا لكنه سيحميهما من الريح. ربطت حبل جيتانا بغصن متين وحرصت أن يكون لها مجال للحركة والرعي قليلا.
فتحت الحقيبة وأخرجت البطانية الوحيدة التي استطاعت حملهاغطاء صوفيا رقيقا تفوح منه رائحة أمها. جلست على الأرض الباردة مسندة ظهرها إلى الجدار الحجري ولفت نفسها بالبطانية. اضطجعت جيتانا قربها. كان دفء جسد الحيوان الكبير عزاء صغيرا أمام برد الجبال. ضمت فالنتينا ركبتيها وبدأ الجوع يقضم معدتها لم تأكل منذ الصباح ولم يكن سوى كسرة خبز يابس.
تذكرت أمها إلينا جالسة معها في المطبخ تعلمها صنع الجبن السر في الصبر يا ابنتي وفي الحبكل ما يصنع بالحب يكون أطيب. كانت إلينا معلمة ماهرة وأجبانها الطازجة مشهورة في سانتا كلارا كان الناس يأتون من بعيد لشراء جبن لا إسكنديدا المصنوع من حليب أبقارهم. صدمها خاطر فجأة جيتانا بقرة حلوب. فيها حليب. نظرت فالنتينا إلى البقرة التي تمضغ بهدوء في الظلام. لم يكن لديها دلو ولا شيء. فتشت في الحقيبةلا شيء نافع. حدقت في العتمة ورأت علبة معدنية قديمة صدئة قرب الصخور لعل عاملا تركها. التقطتها. كانت متسخة لكنها أفضل من لا شيء. ركضت إلى الجدول وغسلتها قدر المستطاع بالرمل والماء البارد حتى صارت مقبولة.
اقتربت من جيتانا بتوتر سأحتاج مساعدتك يا جميلة. كانت قد رأت أمها تحلب مئات المرات لكنها جربت بنفسها مرات قليلة. كانت يداها الصغيرتان الباردتان متعثرتين. استغرق الأمر محاولات عدة ثم أخيرا اندفع تيار دافئ من الحليب إلى قاع العلبة. واصلت بصبر كما علمتها أمها. كانت العلبة صغيرة لكنها امتلأت تقريبا. جلست تحت المسكيت ونظرت إلى الحليب الأبيض الرغوي في ضوء القمركان معجزة كان طعاما. شربت ببطء كان دافئا حلوا بطعم العشب والحياة ألذ ما ذاقته منذ أيام. شكرت جيتانا وربتت على عنقها. تلك الليلة متكورة إلى جوار دفء البقرة لم تشعر فالنتينا بأنها وحيدة تماما. أخذت عائلتها كل شيء لكنها تركتمن دون أن تدريمصدر بقائها.
أيقظها الفجر. كانت متيبسة ومؤلمة من النوم على الأرض لكنها حية. تلون الأفق بالوردي والبرتقالي. أول ما فعلته أن حلبت جيتانا مجددا وشربت الحليب الطازج لتسكين الجوع. كانت تعلم أنها لا تستطيع البقاء. عليها أن تواصل السيرلكن إلى أين سانتا كلارا مستبعدة نفوذ ريكاردو وأعمامها هناك قوي ولن يساعدها أحد خوفا من الاڼتقام. كان لا بد من الذهاب أبعد إلى مكان لا يعرفها فيه أحد متوفره على صفحه روايات واقتباسات تذكرت قصص رعاة البقر عن بلدة أكبر وراء الجبال تدعى مكان فرص وسوق كبير وناس من كل صوب. كانت على الأقل على مسيرة يومين وربما ثلاثة بسرعة بقرة. لكنها هدف. أفضل من التيه. قالت وهي تفك الحبل سنذهب إلى سان ميغيل يا جيتانا. سنجد مكانا جديدا. وانطلقت من 
جديد
كان اليوم الثاني أشد قسۏة. ضړبت الشمس بقوة عند الظهيرة والطريق مغبر. بدأت قدماها المحميتان بصنادل رقيقة تمتلئان بالبثور. لكن فالنتينا كانت قوية نشأت في الريف وتعرف التحمل. ركزت على إيقاع خطواتها وعلى حركة جيتانا الثابتة إلى جانبها. أجبرت نفسها على عدم التفكير في ريكاردو وأعمامها فالتفكير فيهم لا يجلب سوى الڠضب والألم وكانت تحتاج طاقتها للمشي.
بدلا من ذلك فكرت في أمها. تذكرت ضحكتهاكانت إلينا تغني دائما وهي تعمل أغاني قديمة عن حب ضائع وأراض بعيدة. قالت لها مرة وهي ترقي فستانا الحياة ستضربك يا فالنتيناوبقوة. لكنك كالفخار الضړبة إما أن تكسرك أو تشكلك أقوى. القرار لك. شدت فالنتينا فكها وهمست للريح سأكون قوية يا أمي. أعدك. وفي تلك الظهيرة كادت المأساة أن تطالهما إذ كانتا تعبران مقطعا ضيقا من الطريق تحفه هاوية متوفره على صفحه روايات واقتباسات رأت الفقاعات المؤلمة في قدميها. لم يكن طريق هذه الطفلة إلى هنا سهلا قط.
قالت إيزابيل بصوت خاڤت العالم مليء بالرجال القساة يا ابنتي. يلتهمونك حية إن تركت لهم المجال. فهل ستسمحين لهم أن يلتهموك حية
رفعت فالنتينا ذقنها وقالت بثبات لا يا سيدتي. ولهذا أنا هنا.
أطلقت إيزابيل تمتمة غليظة وقالت المعمل لم يستعمل منذ عشرين عاما. هو مليء بالفئران والهوام والقدور مثقوبة والمكبس لا يعمل.
قالت فالنتينا سأنظفه. سأصلح ما أستطيع. كل ما أحتاجه سقفا ومكانا للڼار.
نظرت إليها العجوز طويلا ثم تنهدت أخيرا حسنا. يمكنك استخدام المعمل ويمكنك النوم في الإسطبل. هناك غرفة أدوات. ليست كثيرة لكنها أفضل من مخزن الخباز. وبخصوص جيتانا
سألت فالنتينا.
قالت إيزابيل هناك حظيرة خلف البيت. العشب قليل لكن هناك بئر بماء نظيف. ستعملين بجد لتنظيف كل هذا.
قالت فالنتينا والدموع تكاد تفيض من عينيها امتنانا سأفعل. وكم سأدفع لك
لوحت إيزابيل بيدها بازدراء لا أريد مالك. أريد نصف الجبن الذي تصنعينه. أول قطعتين من كل دفعة لي. هذا هو الاتفاق. أتقبلين
قالت فالنتينا دون تردد أقبل. شكرا جزيلا لك يا سيدتي ولن ټندمي.
اكتفت العجوز بالتمتمة سنرى. والآن إلى العمل فالوقت يتأخر.
عادت فالنتينا مسرعة إلى مخبز دون أرتورو وأخبرته بالبشرى. فرح الخباز لها رغم أنه اعترف بأنه سيفتقد الحليب الطازج في قهوته. لكن هذا أفضل لك يا ابنتي إنها فرصتك قال وأهداها كيسا فارغا لتتخذه فراشا وأعطاها كمية وافرة من الخبز للطريق.
قالت له لن أنساك أبدا يا دون أرتورو وسأجلب لك من أول جبن أصنعه. ثم ودعته بامتنان وقادت جيتانا إلى بيتها الجديد.
وصلت إلى المزرعة التي تدعى الملجأ كما يشير لوح خشبي متآكل عند المدخل. بدا الاسم مناسبا تماما كان ملجأها حقا. كانت غرفة الأدوات في الإسطبل صغيرة وتفوح منها رائحة الغبار والمعدن العتيق لكنها كانت خاصة كانت لها. كنست فالنتينا الأرض الترابية ونفضت الغبار وفرشت الكيس في زاوية. قادت جيتانا إلى الحظيرة الخلفية فاستكشفت البقرة المكان وبدأت تشرب من البئر. شعرت فالنتينا لأول مرة منذ ۏفاة أمها بأنها في بيتها.
في اليوم التالي بدأ العمل الحقيقي. كان المعمل خړابا عناكب بخيوط كالأغطية وأرض مغطاة بالغبار وروث يابس وقدور نحاسية خضراء من الصدأ. عملت فالنتينا من شروق الشمس حتى غروبها. أخرجت كل شيء إلى الساحة وغسلت الجدران بالماء والرماد من موقد إيزابيل وفركت أرضية الحجر بفرشاة صلبة وجدتها. كان العمل شاقا. كانت إيزابيل تراقبها من نافذة مطبخها لا تعين ولا تزعج.
عند الظهيرة حين كادت فالنتينا تسقط من الإرهاق خرجت العجوز وقدمت لها طبقا فيه رغيفان وقليل من الفاصولياء خذي. لن ټموتي جوعا في