سـر البيت المهجـور بقلم منال علي


لحد ما ضوافرها اتصفت ډم والتراب بقى ناعم كأنه بيبلع الصندوق الحديدي ويخبيه في حضنه.
خدت رزمة واحدة بس من الفلوس الجديدة اللي تكفيها تعيش من غير ما تلفت النظر. وشالت رسالة أنتينور الأولى جوه صدرها قريبة من قلبها كأنها نبض تاني.
طول الليل عينيها مزارتش النوم. فضلت ساندة ضهرها للحيطة بتسمع صفير الهوا وبترتب في دماغها حسبة تانية خالص
الأكل الأول.
كشف دكتور.
جزمة قوية للمشي.
تليفون.. عشان النزول والطلوع من الجبل بقى مهمة صعبة مش مشوار.
وبعدين بدأت القائمة اللي تخوف مين ممكن يساعد.. مين ممكن يأذي.. وهل فيه حد عارف أصلا
طلع الصباح والضباب لافف الجبل كأنه كفن. لفت الفلوس في كيس قماش وحشرته تحت هدومها وقبل ما تنزل ربطت الباب بسلك عقد ما يمنعش حد بس بيخليها تحس إنها مش مكشوفة أوي.
بدأت تنزل من الجبل خطوة بخطوة إيد بتحمي بطنها وإيد ساندة على عصاية خشب. الطريق كان طين وحجر يكسر رجل أي حد مش واخد باله. كل ما رجلها تتزحلق كانت بتتخيل ابنها وهي بتقوم وتصلب طولها كأن حياتها واقفة على الخطوة دي.. والحقيقة إنها فعلا كدة.
البلد تحت كانت لسه بتفوق. ريحة العيش الطالع من الفرن بتملى الشوارع. راحت لمكتب صغير في حارة ضيقة مكتب قديم ريحته ورق وقهوة بتاع محامي على قد حاله.. مكتب توثيق مدهون ببوية مقشرة.
جوه راجل لابس نضارة كعب كوباية بص لها ونطق اسمها أمل كأنه بيجربه على لسانه. هو ميعرفهاش بس الخلق في الأرياف بتعرف الأرامل من نظرة عينيهم.. الأرامل اللي بييجوا ومعاهم ورق متداس عليه على أمل إن ختم الحكومة يحميهم.
سألته بحذر لو سمع قبل كدة عن خناقة قديمة على أراضي الجبل. مجابتش سيرة صندوق ولا فلوس قالت كلمة عقد ملكية كأنها حاجة عادية.
الراجل كرمش وشه وسكت شوية وبعدين قال بلهجة تقيلة
الناس هناك يا ست أمل بيقطعوا في فروة بعض عشان الأرض.. الأرض هناك بتنبت دهب.
الكلمة دي خبطت في بطنها خبطة مريعة.
سألها بتفتشي ليه قالت له إنها اشترت البيت رسمي وعايزة تتأكد إن محدش هيطلع لها من تحت الأرض. هز راسه وبص لبطنها وبعدين بص الناحية التانية كأنه مش قادر يبص للمستقبل اللي هي شايله. قالها هاتي الورق وهراجع لك تاريخ المكان وزود كلمة وهو بيوشوش
لو لقيتي حاجة.. حاجة قديمة.. داري على شمعتك يا بنتي.. ومش أي حد توريله اللي معاكي
خرجت وإيدها بتترعش. اشتريت عيش ورز. اشتريت بيض وحتة لحمة عشان جسمها محتاج يشد حيله واشترت فيتامينات من الصيدلية. لما الصيدلي قالها يا بنتي وهو بيبتسم كانت هتعيط من الحنية اللي مبقتش متعودة عليها.
كان ممكن تقف لحد هنا. ترجع الجبل تاكل وتستريح وتعتبر الصندوق ده رزق من السما وتنسى الرسائل.
بس ورق أنتينور جوه صدرها كان بېحرق جلدها. الراجل ده مبعتش الرسائل دي عشان يبارك لها.. ده باعتها عشان يحذرها.
راحت المكتبة العامة مكان مكنش فيه غير الهدوء وغبار الكتب. طلبت من الموظفة أرشيف الجرايد القديمة.. أي حاجة عن اختفاء ناس سنة 1928 أو منجم وقع أو ڤضيحة أرض.
الموظفة بصت لها كأنها جاية من كوكب تاني بس فتحت لها دواليب قديمة بتزيق.
قعدت ساعات ظهرها اتقطم وعينيها زغللت. في الأول مفيش غير أخبار الۏفيات والمحاصيل وإعلانات قديمة.. نبض بلد عايزة تبان نظيفة.
وفجأة.. لقت عنوان جمد قلبها
اختفاء عامل منجم في ظروف غامضة.. والأهالي يتهمون شركة التنقيب.
الخبر كان صغير بس فيه اسم رجل يطابق اسم موجود في المظاريف اللي في الصندوق. الخبر بيقول