سـر البيت المهجـور بقلم منال علي


هباء.. مكتوب عليها بخط إيد دقيق تواريخ أسامي بلاد. ظرف مكتوب عليه 1928.. وظرف تاني مكتوب عليه جملة خلت جسمها يقشعر اللي يلاقيه.. يقرأ ده الأول. وظرف تالت مكتوب عليه ابعدوا عن الحكومة.
بلعت ريقها وفتحت الظرف اللي هيقولها تعمل إيه.
الختم الأحمر اتكسر كأنه ډم ناشف. جوه رسالة ورقها تخين ومصفر مكتوبة بخط هادي لدرجة تخوف خط راجل بيخبي صندوق ورا حيطة.
بدأت تقرأ بالراحة وتنهج الكلمات في سرها كأن البيت بيسمع.
الرسالة بدأت ب اعتراف.
صاحب الرسالة اسمه أنتينور بيقول إنه بنى البيت ده بإيده لما كان الطريق مجرد مدق وسط الشجر. بيقول إنه مخباش الصندوق ده طمعا في المال بس لأنه كان مړعوپ.
وبعدين كتب جملة وقفت الډم في عروقها
لو بتقرأي الكلام ده يبقى أنا مت.. والرجالة اللي كانوا عايزين الصندوق ده يا إما ماتوا هما كمان يا إما لبسوا وشوش جديدة.
بصت للجملة وبعدين للفلوس.. وفجأة الورق مابقاش نجاة بقى طعم.
كملت قراءة.. أنتينور بيقول إن كان فيه منجم مش منجم فحت وردم لا.. منجم من النوع اللي الرجالة بتدبح بعض عشانه. بيقول إنه هو وصحابه لقوا عرق دهب في الجبل وده لفت نظر الكبار أصحاب الأراضي والناس اللي مسميين نفسهم القانون.
بيقول إن الرجالة دول جولو في يوم صبحية بابتسامة صفراء وعرضوا عليه حماية وشراكة. أنتينور رفض.
بعد تلات أيام صاحبه اختفى. بعد أسبوع مدخل المنجم اتهد بالغلط. بعد شهر مراته قالتله اهرب يا أنتينور.
مهربش.. خبا الحاجة. مش بس الفلوس الدليل كمان.
أمل قفشت في الورقة زورها ضاق.. بصت للباب رغم إنها عارفة إن مفيش حد وحست إنها شايلة خوف واحد غريب كأنه جمرة ڼار في إيدها.
الظروف اللي بعد كدة كان فيها صور أبيض وأسود أطرافها متنية.. صور لرجالة ببراقع جنب فتحة في الجبل وعربية نقل عليها شعار رسمي ووش ما عرفتهوش بس كرهته من أول نظرة.
وظروف تانية فيها عقود وخرائط خطوط ومقاسات أختام وإمضاءات وشهادة مربوطة بشريطة شكلها رسمي كفاية إنها تودي حد ورا الشمس.
وهي بتقلب عينها وقعت على اسم بلد عارفاها بوسو أليغري.
دي مش مجرد بلد كانت عايشة فيها.. دي بلد لسه الورق ده له فيها تقله
قعدت على كعب رجلها ونبضها بقى مسموع في ودنها. مش صعب تتخيل حد بيسمع النبض ده ويجي ورا أثره.
قالت لنفسها إنها بتهول إنها مجرد أرملة غلبانة في بيت بيقوع ومحدش هيهتم بلي لقيته ورا البرواز. بس عينيها جت تاني على الطبنجة.. وسكتت.
محدش بيخبي سلاح مع فلوس حلال.
لمت الرسالة وربطت الرزم بسرعة إيدها كانت بتتحرك پغضب وخوف. رجعت الصور.. وسابت الكيس القطيفة.
الكيس ده كان بيناديها.. تقيل ومحمل. فتحته..
جوه ليرات دهب مطفية عليها تواريخ تخلي الحواجب تترفع. عملات قديمة.. دهب عاش حروب وفيضانات ونشف عليه عرق إيدين مش نظيفة.
قفلت الكيس وحست إن نفسها انقطع.
افتكرت صوت صاحب البيت وهو بيقول مش حاجة شخصية.. مجرد فواتير. افتكرت ستات السوق وهما بيتريقوا على البيت المهجور. افتكرت ابنها الشخص الوحيد اللي بقى بتاعها في الدنيا دي.. وحست بحاجة جديدة بتنبت في صدرها بقلم منال علي مش أمل.. مش دلوقتي.
دي عزيمة.. عزيمة واحدة ما بعتش نفسها للدنيا بس الدنيا هي اللي جت لحد عندها بكنوزها.. وبلاويها.
بقية اليوم عدى وأمل بټدفن الصندوق من تاني..
بس المرة دي مش ورا البرواز لأن المكان بقى مكشوف أوي كأن الحيطة بتشاور عليه وتقول هنا السر. سحلته للأوضة الجوانية اللي أرضيتها خشبها دايب ومخلع رفعت لوح بالشاكوش وحفرت بإيدها في العفرة