قمتُ بتركيب ستٍّ وعشرين كاميرا خفيّة في أرجاء منزلي كلّه، سرًّا،


لهما كل ليلة في المستشفى همست أخيرا.
كان صوتها منخفضا لكنه واضح محملا بذاكرة لا تخصها وحدها. كانت الكلمات تخرج منها كما لو أنها تعاد من مكان قديم محفوظ بعناية.
كانت أوريليا تبتسم رغم الألم وتقول إن هذه الأغنية ستكون خيطا خفيا بين قلبها وقلوبهما. كانت تقول إنهما ما داما يسمعان هذا اللحن سيعلمان أن أمهما لم تتركهما وحدهما أبدا.
توقفت لحظة وكأنها تترك للصمت حق الرد ثم أضافت بصوت أكثر انكسارا
وأنا لم أرد أن ينقطع ذلك الخيط. لم أرد أن تنتهي الأغنية.
في تلك اللحظة سقط عني شيء ثقيل لم أكن أعلم أنني أحمله منذ زمن.
أدركت حقيقة لم تعلمني إياها أي ثروة ولا أي صفقة ولا أي نجاح مهني.
أدركت أنني رغم كل ما أملك كنت فقيرا فقيرا في أكثر ما يهم.
بنيت جدرانا من زجاج وملأت البيت بالكاميرات واشتريت الأمان بأغلى ما يكون لكنني نسيت أن أبني بيتا يمسك أبناءه بالحب لا بالمراقبة بالثقة لا بالشك بالحضور لا بالتحكم.
لم أفكر في طرد لينا.
لم يمر ذلك الاحتمال في ذهني أصلا.
بدلا من ذلك جلسنا معا في الأيام التالية لا لنناقش المستقبل بخطط كبيرة بل لنرتب ما تبقى من حياتنا بهدوء. تعلمنا كيف نعيش دون خوف دائم كيف نترك الأبواب مفتوحة وكيف نثق مرة أخرى.
ومع الوقت عينتها مديرة لمؤسسة أوريليا وهي منظمة غير ربحية أنشأناها معا لتكون ملاذا للأطفال الذين ېهددون من داخل عائلاتهم من حيث لا يتوقع أحد ومن الأماكن التي يفترض أن تكون الأكثر أمانا.
ومنذ ذلك اليوم تغير كل شيء.
ليس دفعة واحدة ولا بمعجزة مفاجئة بل ببطء حقيقي يشبه شفاء الچروح العميقة.
في كل ليلة قبل أن ينام التوأم نجلس في غرفة الأطفال.
لا شاشات.
لا تسجيلات.
لا عيون خفية تراقب وتحصي الأنفاس.
نغلق الأضواء بهدوء
ونترك للحن أن يملأ المكان.
نترك للأغنية أن تفعل ما عجز عنه المال
وما لم يستطع القانون أن يضمنه.
نكتفي بالاستماع.