قمتُ بتركيب ستٍّ وعشرين كاميرا خفيّة في أرجاء منزلي كلّه، سرًّا،


بلا حجج بلا صوت.
لم أشعر بالانتصار.
لم أشعر بالراحة.
كان كل ما في داخلي أثقل من أن يسمى.
اقتادوها لاحقا لكن تلك اللحظة لم تكن النهاية. لم تكن الأصفاد التي أغلقت حول معصميها ولا وقع الأقدام الثقيلة في الممر ولا الكلمات الرسمية الباردة التي تبادلها رجال القانون وهم يؤدون عملهم كما لو كان مجرد إجراء آخر في يوم طويل.
كل ذلك مر كأنه يحدث في مكان بعيد خلف زجاج سميك.
النهاية الحقيقية جاءت بعد ذلك بساعة كاملة حين أغلق الباب الأخير وحين خلا البيت أخيرا من الغرباء وحين عاد الصمت لكنه لم يكن الصمت الذي عرفته من قبل.
لم يكن صمت الفراغ.
ولا صمت الخسارة.
ولا ذلك الصمت الذي كان يضغط على صدري حتى أكاد أختنق.
كان صمتا مختلفا.
صمتا واسعا يسمح بالتنفس.
صمتا يشبه الوقوف في مكان آمن بعد عاصفة طويلة حين لا تزال الريح في الذاكرة لكن السماء لم تعد تهدد.
جلست على أرض غرفة الأطفال في الموضع نفسه الذي كانت لينا تجلس فيه قبل دقائق. لم أستطع الوقوف ولم أرغب في ذلك.
كان الجلوس على الأرض فعل استسلام هادئ كأني أخيرا تخليت عن محاولة التماسك. كانت الأرض أقرب إلي من أي كرسي أكثر صدقا أقل ادعاء.
لم أكن مرهقا جسديا.
كنت مڼهارا من الداخل.
كأن كل ما كنت أتماسك به طوال عامين قد قرر أن يتركني دفعة واحدة بعد أن تأكد أن الخطړ انتهى وأن لا حاجة بعد الآن للأقنعة.
للمرة الأولى منذ عامين نظرت إلى ابني دون خوف.
دون حسابات.
دون أسئلة طبية أو توقعات قاتمة أو محاولات تفسير لكل حركة ونفس.
نظرت إليهما كما ينظر إلى الحياة حين تمنح من جديد.
طفلين صغيرين يتنفسان بهدوء تتسع صدورهما وينقبض بانتظام مريح. كان في ملامحهما شيء منها في انحناءة الفم وفي الطريقة التي تستقر بها الرموش على الخدين.
رأيت ابتسامتها فيهما تلك الابتسامة التي كانت تظهر فجأة ثم تختفي كأنها تخشى أن تزعج أحدا.
لم أرهما مشكلات تحتاج حلولا ولا حالات طبية تنتظر تفسيرا ولا مستقبلا مثقلا بالخۏف.
رأيتهما امتدادا حيا لامرأة أحببتها وبقايا دفء تركته خلفها كي لا ڼموت بعدها مباشرة.
كيف كنت تعرفين الأغنية
خرج السؤال مني بصوت مكسور لا يكاد يسمع. لم يكن سؤال تحقيق ولا فضولا. كان أقرب إلى اعتراف متأخر كأني أسأل كيف بقي هذا الجزء منها حيا بينما كنت أنا غائبا
جلست لينا إلى جانبي دون تردد كأن المكان كان ينتظرها منذ البداية. لم تتكلم فورا. لم تشأ أن تقطع اللحظة.
اكتفت بأن تضع يدها بلطف على رأس ماتيو.
كان جسده ساكنا دافئا أنفاسه منتظمة صدره يرتفع وينخفض بطمأنينة لم أعرفها عنه من قبل.
لم يكن يبكي.
وللمرة الأولى في حياته القصيرة كان ينام نوما حقيقيا نوما لا يقطعه الألم ولا الخۏف ولا القلق الذي كان يسكنه كظل دائم.
كنت أغنيها