فتاه الضوء


يوزع الخبز ويستمع إلى الناس الذين لم يستمع إليهم أحد من قبل.
رفع رأسه عن المنضدة فتجمد في مكانه.
كانت شابة تقف في الطابور تحمل صينية.
جاكيت رفيع. شعر مربوط إلى الخلف. يداها ثابتتان.
لكن ما أوقفه كان عيناها.
غامقتان. هادئتان.
كأن العالم لا يستطيع إخافتها.
انكسر صوت إيليا
كاتيا
سقطت المغرفة من يده على الأرض مع صوت فرقعة.
حدقت الشابة.
ارتجفت صينيتها.
همست
إيليا كأنها لم تجرؤ على تصديق الأمر. أنت تستطيع أن ترى
تحرك إيليا حول المنضدة بسرعة كاد أن يصطدم بأحدهم.
قال وهو يلهث
نعم أستطيع. لقد رأيت منذ عشر سنوات.
امتلأت عينا كاتيا بالدموع.
همست
كنت خائڤة أن يختفي ذلك قالت. هربت لأني ظننت أن الكبار سيلومونني. كنت أظن أنني أفسدت كل شيء.
هز إيليا رأسه بقوة.
قال
لم تفسدي شيئا. لقد أعطيتني حياتي.
جلسا على طاولة هادئة.
أخبرته كاتيا بأنها نجت بالعمل حيثما استطاعت والدراسة متى أمكنها والتنقل من مدينة إلى أخرى.
قالت
عدت مؤخرا. سمعت شائعات عن شيء يسمى صندوق كاتيا وكنت أظن أنني أتخيل ذلك.
اشتد صدر إيليا.
قال
سماه والدي باسمك. لقد بحث عنك كل عام. يذهب إلى الساحة في نفس التاريخ. يترك زهورا. يعتذر للهواء.
غطت كاتيا فمها overwhelmed.
همست
ليس مضطرا لذلك. كان خائڤا وقد فهمت ذلك حينها.
نظر إليها إيليا بجدية جعلت صوته مستقرا.
قال
يجب أن يخبرك بنفسه.
اتصل بأليكسي.
بعد عشر دقائق دخل أليكسي المطبخ الجماعي كأنه رجل يركض منذ سنوات.
توقف عندما رأها.
وقفت كاتيا ببطء.
ولحظة طويلة لم يتحرك فيها أحد.
تبادل المليونير والفتاة التي كانت حافية القدمين في الساحة النظرات كما لو أن الزمن قد انطوى.
ثم خطا أليكسي بضع خطوات إلى الأمام.
وأمام الجميعالعمال المتطوعين العائلاتركع على ركبتيه.
قال صوته ينكسر
أنا آسف. لقد منحت ابني ما لم يستطع أي طبيب ولا المال ولا القوة أن يمنحه. وقد عاملتك كټهديد. حملت هذا العاړ لعشر سنوات.
ارتعش كتفاه.
همس
شكرا شكرا من أجل ابني.
تلألأت عينا كاتيا.
انخفضت حتى صارت على مستواه وأمسكت بيديه برفق.
قالت بهدوء
قم رجاء. لقد سامحتك منذ زمن بعيد. الخۏف يجعل الناس يتصرفون بطرق لا يقصدونها. كنت أعلم ذلك حينها. وأعلمه الآن.
وقف أليكسي ما يزال يرتجف.
نظر إيليا بينهما وشعر بشيء يستقر في صدره.
لم يكن نهاية مثالية.
لكنه كان نهاية حقيقية.
عائلة كانت مکسورةثم أعيد بناؤها ليس بالمال بل بالتواضع والوقت وفتاة رفضت المرور بجانب طفل وحيد.
بدأت كاتيا العمل مع المؤسسةليست كمعجزة ولا كرمز بل كشخص لديه مسؤوليات حقيقية.
درست علم النفس.
ساعدت الأطفال الذين كانوا خائفين من الأطباء.
ساعدت الآباء على التعلم كيف يستمعون بدلا من الذعر.
وكل عام في ذكرى اليوم الذي تغير فيه كل شيء كان الثلاثة يعودون إلى المقعد تحت شجرة الكستناء.
يجلسون بهدوء.
يشاهدون الناس يمرون.
أحيانا يقترب أحدهم ليخبرهم أن متوفره على صفحه روايات واقتباسات المؤسسة دفعت ثمن عملية أو زوج نظارات أو أنقذت بصر طفل.
وأحيانا يجلسون فقط يتركون العالم العادي يتحرك حولهملأن العادي صار مقدسا الآن.
في مساء أحد الأيام لمس إيليا المقعد بخفة وابتسم.
قال
يعتقد الجميع أن المعجزة هي أنني تعلمت الرؤية.
نظرت إليه كاتيا.
سألته
ألم تكن كذلك
نظر إيليا إلى والده ثم عاد إلى كاتيا.
قال
المعجزة كانت أنك توقفت. جلست. عاملتني وكأنني شخص لا يزال يستحق الحديث معه.
كان صوت أليكسي هادئا.
وأضاف إيليا
والمعجزة الأخرى كانت أن تعلمنا أن الرؤية ليست فقط بأعيننا. أحيانا تكون بقلبنا.
لينت كاتيا عيناها.
وضعت يديها على حجرها هادئة كما عهدناها.
قالت
كنت أظن أن مهمتي انتهت ذلك اليوم. الآن أعلم أنها بدأت.
فوقهم تحركت أوراق شجرة الكستناء.
حملت نسمة هواء شعيرة صغيرة من شيء شبه غير مرئيمثل خيط ضوءثم حملته بعيدا.
وللحظة إذا كنت من أولئك الذين لا زالوا يؤمنون بالأسرار الرقيقة ربما كنت لتقسم أن الهواء نفسه يبتسم.
تمت