فتاه الضوء

كان ابن المليونير أعمى إلى أن أخرجت فتاة شيئا لم يكن أحد ليتخيله.
بدا ذلك العصر الصيفي كأي عصر آخر في المدينةإلى أن لم يعد كذلك.
كانت الشمس تدق ساحة المدينة كطبلة ساطعة نافدة الصبر. يعلو صياح الباعة بعضه فوق بعض يساومون ويمازحون الزبائن. وكان الهواء مشبعا برائحة الخبز الدافئ والخوخ الناضج والذرة المشوية وغبار أثارته مئات الأقدام المتحركة في كل اتجاه. كان الأطفال يركضون بين الأكشاك ضاحكين كأن العالم لم يؤذ أحدا قط متوفره على صفحه روايات واقتباسات لم يكن في المشهد ما يوحي بأن معجزة شيئا سيتجادل الناس بشأنه لسنوات على وشك أن تتجلى فوق مقعد خشبي عادي تحت شجرة كستناء عتيقة.
لم يلحظ أحد الطفلة الحافية في البداية.
كانت تشق طريقها ببطء وسط الحشد كأنها لا تتعجل الوصول إلى أي مكان وكأنها تصغي إلى شيء لا يسمعه سواها. بدا فستانها كأنه كان أزرق يوما ماربما كان جميلا في وقت مالكن الزمن والغسل والبقاء أبهت لونه حتى صار باهتا مرهقا. وكان شعرها الأسود يجلد وجهها مع الريح.
غير أن عينيها هما ما جعل الناس يرمقونها بنظرة ثانيةثم يشيحون بوجوههم.
لم تكونا متوسلتين.
ولا خائفتين.
كانتا هادئتين.
كأنها تعرف شيئا.
كان اسمها كاتيا.
تجاوزها بعض الناس كأنها غير مرئية. وعبس آخرون عند رؤية قدميها المتسختين وثيابها المجعدة بالطريقة ذاتها التي يفعلها من يريد أن يصدق أن الفقر خيار. لم يتوقف أحد ليسأل لماذا كانت طفلة بمفردها. ولم يسأل أحد أين عائلتها. ولم يسأل أحد لماذا بدت وكأنها تبحث عن شخص واحد بعينه في بحر من الغرباء.
لكن كاتيا لم تكن تبحث عشوائيا.
كانت تأتي إلى تلك الساحة تقريبا كل يوم منذ ثلاث سنوات.
تجلس.
وتنتظر.
لم تكن تعرف كيف تشرح الأمر دون أن تبدو غريبة. ولم تكن تفهمه هي نفسها فهما كاملا. كانت تعرف فقط أن في صدرها إحساساكجرس خاڤتيخبرها أن تعود مرة بعد مرة إلى أن يحين اليوم الذي يصمت فيه.
إلى أن يأتي هو.
وعندما رأت الفتى على المقعد دوى ذلك الجرس في داخلها بصوت كاد يسرق أنفاسها متوفره على 
كان يرتدي الأبيض.
ليس أبيض الملابس الأنيقة.
ولا أبيض أفضل ما يرتدى يوم الأحد.
بل أبيض كاملا.
سترة بدلة حادة وقميص ناصع بلا شائبة وحذاء مصقولزي يبدو أنه ينتمي إلى صورة مدرسة خاصة لا إلى ساحة عامة. كانت نظارات داكنة تغطي عينيه ورأسه مائلا قليلا إلى الأعلى كأنه يحاول أن يلتقط العالم بالصوت بدل البصر.
كان يجلس ساكنا جدا.
ساكنا أكثر مما ينبغي لطفل.
كأنه تعلم أن كثرة الحركة تجلب الانتباه.
وكأنه تعلم أن الانتباه لا ينفع أبدا.
كان اسمه إيليا.
وكان أعمى.
توقفت كاتيا على بعد نحو خمسة أقدام وراحت تراقبه.
لم تراقب ثيابه.
ولا قصة شعره الباهظة.
ولا نظرات الناس الخاطفة التي سرعان ما تشيح لأن الإعاقة تربك بعض الكبار.
كانت تراقب شيئا آخر.
الثقل على كتفيه.
والوحدة التي تلتصق به كدخان غير مرئي.
وحول عينيهوهذا الجزء لم تخبر به أحدا قط لأن أحدا لم يكن ليصدقهاأحست كاتيا بشيء يشبه ضبابا رقيقا كتموج الحرارة فوق الإسفلت.
طبقة.
حجاب.
شيء لا ينبغي أن يكون هناك.
انقبضت أصابع كاتيا إلى جانبيها واستقر الإحساس في صدرها يقينا.
إنه هو.
تقدمت وجلست عند الطرف البعيد من المقعد.
قالت بهدوء
مرحبا.
انتفض إيليا كأنه لم يتوقع أن يقترب أحد. أدار رأسه نحو صوتها.
ممرحبا قال بتردد. هل هل تكلمينني
رمشت كاتيا بدهشة صادقة.
نعم. ومن غيرك سأكلمه
توقف لبرهة
ثم ارتسمت على فمه ابتسامة صغيرة نصفها دهشة ونصفها حزن.
قال معترفا لا يجلس الناس عادة بجانبي. خصوصا الأطفال.
ولم
أطلق ضحكة خاڤتة لا تشبه ضحكة الأطفال.
لأن الأمر محرج قال. لأنهم لا يعرفون ماذا