أخر سطر في الدفتر ج2.. حكايات منــال عـلـي


بعد أسبوع بالظبط محمد جه قالي إن أمه تعبانة وهتقعد معانا كام يوم.
أصل عيادة الدكتور قريبة من هنا، وعشان تبقى مطمنة وفي وسطنا.
هزيت راسي وقلتله ماشي من غير جدال.
ولأول مرة في حياتي...
ما حسيتش بأي ڼار جوايا ولا فارق معايا.
لا ڠضب، ولا زعل، ولا حتى إني اتهنت.
حسيت بحالة فضى وبرود غريب.
أم محمد استقرت في البيت وفرشت وعششت كأنها صاحبة الملك.
تكنس وتمسح وهي بتقطم وتلقح كلام.
ترتب برطمانات التوابل على مزاجها وعكس ما أنا متعودة.
تفتح الأدراج وتقلب في حاجتي وحاجتها.
وأنا شلت إيدي خالص وبطلت أمنعها أو أقول بم.
في يوم الصبح، دخلت المطبخ ولقيت الكشكول الأزرق محطوط على السفرة مكشوف.
كنت ناسياه هناك بالليل.. وسبته قاصدة.
كنت عايزاها تقراه وتشوف سواد عمايلها.
بعد عشر دقائق لاقيتها داخلة عليا الأوضة.
وشها مقلوب مية وثمانين درجة، وشفايفها ممطوطة ومقفولة بعصبية وغل.
إنتِ بقى يا ست هانم بتسجلي ورانا كل كبيرة وصغيرة؟ مصاريف وملاحظات وتقييمات؟
ضحكت ضحكة صفرا ومستهزئة وقالت
يا نهار أبيض وياما عشنا وشفنا... للدرجة دي فاضية ومعندكيش لقطة تعمليها؟
بصيت في عينها بكل برود وهدوء أعصاب يخوف.
ومديت إيدي خدت الكشكول منها.
لأ، مش فاضية.
أمال إيه القرف اللي كاتباه ده؟
ده مش تقرير يا طنط.
سكتت وبحلقِت فيا.
ده تاريخ.
تاريخ إيه والنعمة الشريفة؟
قربت مني وبقت في وشي، فرديت عليها بكلمتين اتنين وبمنتهى الثبات
تاريخ صبري اللي خلص.
بصتلي ثواني مبرقة ومصډومة.
وبعدين لفت وشها ومشيت من سكات.
بعد نص ساعة بالظبط سمعت خروشة وصوت أكياس وشنط بتتلم وتتقفل بسوستة.
كانت بتلم الهدوم بتاعتها والجلابيب.
محمد فضل يجري وراها ويحايلها عشان تقعد ومتمشيش زعلانة.
لكن لأول مرة في حياته، لاقيته من كتر زهقه بيقولها
يا ماما... يمكن كفاية كدة بقى؟ سيبك منها وخلينا نمشي اليوم.
ركبت عربيتها ورزعت الباب ومشت.
أول كام سبت من غيرها كانوا غريبين أوي ويخوفوا.
البيت هادي زيادة عن اللزوم، ومفيش حد بينتقد ولا بيهبد معالق.
رجعت أقف في مطبخي وأعمل الشوربة بتاعتي تاني.
زي زمان وبنفس الطريقة.
من نجمة الصبح.
محمد قعد وأكل في هدوء تام.
لكن نظراته ليا كانت هادية وفيا حنية مفقودة من زمان.
وفي وسط الأكل بالليل قالي
تسلم إيدك.. حلوة أوي.
كلمة واحدة بس يادوب طلعت.
لكن بالنسبة لي كانت بالدنيا وما فيها بعد الجفاف ده كله.
فتحت الكشكول بتاعي.
وكتبتها بخط عريض ومالي الصفحة الجديدة
حلوة.
ومن بعد اليوم ده، بقينا نعزم دينا والجيران وأصحابنا كل فترة والتانية.
ورجعت ضحكتي تطلع من قلبي من غير ما أخاف من تلقيحة كلام أو انتقاد يكسر فرحتي بعدها.
الشوربة كانت بتغلي على الڼار وبتكتك...
لونها دهبي، دسمة وتقيلة شوية، وريحتها تفتح النفس المقفولة.
غرفت طبق لمحمد وحطيته قدامه.
فجأة لاقيته حط إيده على إيدي وضغط عليها.
على الحيطة كانت النتيجة معلقة.
كل ورقة كنا بنقطعها منها كانت شاهدة على أيام سودة، وأرقام، وملاحظات، وۏجع قلب.
لكن دلوقتي النتيجة بقت بتحكي حكاية تانية خالص.
حكاية وراحة الحرية.
أما الكشكول الأزرق...
فبطلت أخبيه تحت المرتبة أو في وسط الهدوم. حكايات منال علي 
وفي آخر صفحة فيه كتبت
السبت.
الشوربة جاهزة وزي الفل.
بناكل في هدوء وراحة بال...
بس مع بعض وسوا.
وكلمة شكر أخيرًا اتقالت.
وتحت الجملة دي، خدت خط صغير واقف بالقلم الجاف.
وما كتبتش ولا كلمة تانية بعده.
وووووو يتبع...