ماما... إنتِ مش هتاكلي؟ج4.. حكايات منــال عـلـي


كبير.
في حضنه بطانية.
وفي إيده كتاب مقفول.
أول ما شافني...
وطى عينيه.
كأنه مش مصدق إني جيت.
وقبل ما يتكلم قلت
أنا لسه ما سامحتكش.
رفع رأسه ببطء.
وهزها.
عارف.
ومش عارفة هسامحك بكرة ولا بعد سنة ولا بعد عشر سنين.
قال بهدوء
مفهوم.
لكن جيت عشان حاجة واحدة.
سكت.
مستني.
عيالي عايشين وشبعانين النهارده بسببك.
وصوتي بدأ يهتز.
وجوزي كان مؤمن إنك تستحق فرصة.
فمش عايزة أفضل طول عمري محتفظة بالڠضب كأنه آخر حاجة سابهالي.
محمود غطى وشه بإيده.
وكتفه اهتز من البكا.
لكن من غير صوت.
قلتله
في شروط.
بصلي بسرعة.
أي حاجة.
مفيش زيارات سرية تاني.
مفيش مراقبة.
مفيش أكياس أكل في نص الليل.
مفيش أسرار تخوف عيالي.
أوعدك.
همس بها فورًا.
لو عايز تساعد...
ساعد بوضوح.
من خلال الجمعيات.
أو المدرسة.
أو أي طريق محترم.
لكن مش كالشبح.
حاضر.
قالها والدموع في عينيه.
طلعت الولاعة من شنطتي.
وحطيتها على الترابيزة بينا.
اتسعت عينيه.
دي بتاعة أحمد.
عارفة.
قلت.
لكنه ادهالك لسبب.
مقدرش أخدها.
قال بسرعة.
دي ذكراه.
ابتسمت لأول مرة من شهور.
إنت مش بتاخدها.
إنت بتكمل بيها الطريق اللي هو بدأه.
مد إيده ببطء.
وأمسكها.
وفي اللحظة دي...
الڠضب ما اختفاش.
لكنه اتحرك من مكانه.
وساب مساحة صغيرة لحاجة تانية.
راحة.
الربيع جه بهدوء السنة دي.
المواسير اتصلحت.
الباب اتغير.
عمر انضم لفريق البيسبول في المدرسة.
وياسين بطل يسأل كل يوم إذا كان عندنا أكل كفاية.
أما حبيبة...
فكانت كل شوية ترسم رسومات وتحطها عند الباب.
وتكتب عليها
لملاك البلكونة.
رغم إنه بطل ييجي.
محمود ما دخلش بيتنا على طول.
كان يبعت جوابات.
ويساعد من بعيد.
ويستأذن قبل أي حاجة.
وده فرق معايا.
لأنه فهم إن التسامح مش حاجة تتشترى.
ولا تتكسب.
دي حاجة ممكن تحصل...
أو ما تحصلش.
في الصيف...
عمر جه في يوم وقال
هو محمود ممكن ييجي ماتش الكورة بتاعي؟
كنت هرفض.
لكن عمر كمل
بابا أكيد كان هيحب ده.
سكت.
وبعدين وافقت.
وجاء محمود.
وقف بعيد عند السور.
هادئ.
ومتوتر.
وكل ما عمر ينجح في حاجة كان يسقفله.
بعد الماتش...
عمر راح له.
وقال
بابا أنقذك؟
ابتسم محمود ودموعه في عينيه.
أكتر من مرة.
فكر عمر شوية.
وبعدين قال
يبقى لازم تيجي عندنا وتتغدى وتحكيلنا عنه.
ساعتها...
بدأ الشفا الحقيقي.
مش بمعجزة.
ولا في لحظة واحدة.
لكن خطوة خطوة.
بقى محمود يزورنا مرة كل شهر.
يحكي للعيال قصص عن أحمد.
قصص عمري ما سمعتها.
عن ناس ساعدهم.
وعن أسر أنقذها.
وعن مواقف ما كانش حد يعرفها.
وفي كل مرة كنت أسمع...
أحس إن أحمد رجع شوية.
مش بجسده.
لكن بأثره.
وبعد سنة كاملة...
من أول كيس أكل اتحط قدام بابنا...
كنا قاعدين كلنا على السفرة.
نفس البيت الصغير.
نفس الشبابيك القديمة.
لكن المرة دي...
الدولاب كان مليان.
والخۏف اختفى.
وفوق الحيطة كانت معلقة صورة الجورنال.
أحمد واقف فيها جنب محمود بعد الحريق.
ياسين أشار للصورة بالشوكة وقال
بابا أنقذ كل الناس دول؟
ابتسمت.
وبصيت للصورة.
ثم لأولادي.
ثم لمحمود.
وقلت
آه يا حبيبي...
أبوك أنقذ ناس كتير.
حبيبة سندت رأسها على كتفي.
وسألت ببراءة
وحتى بعد ما راح عند ربنا؟
غصيت.
لكن المرة دي الۏجع ما كسرنيش.
حضنتها وبوست شعرها.
وقلت
أيوه يا حبيبتي...
حتى بعد ما مشي.
كان لسه بينقذ ناس.
بصيت لمحمود.
ولأول مرة ما شفتش الراجل المرتبط بأسوأ يوم في حياتي.
شفت إنسان أنقذه أحمد.
وإنسان قرر يكمل الخير
بدل ما يدفنه مع الذنب.
وأدركت وقتها إن التسامح ما بيمسحش الحزن.
ولا بيرجع اللي راح.
لكنه بيدي للحياة فرصة تكمل.
وده كان أكبر درس سابهولنا أحمد.
إن الخير عمره ما بيضيع.
ممكن يرجع في رغيف عيش على باب بيت.
أو في جواب مكتوب بإيد مرتعشة.
أو في إنسان مكسور بيحاول يبقى أحسن.
عشان يكرم ذكرى شخص أنقذ حياته.
تمت