ماما... إنتِ مش هتاكلي؟ج4.. حكايات منــال عـلـي

الجزء الرابع والأخير
بعد المقابلة اللي حصلت في المستشفى، رجعت البيت وأنا حاسة إن في جبل فوق صدري.
كنت فاهمة الحقيقة أخيرًا...
لكن الحقيقة ما كانتش مريحة.
بالعكس.
كانت أصعب من الغموض.
لأسابيع طويلة ما شفتش محمود.
عرفت إنه خرج من المستشفى واتنقل لمركز تأهيل عشان يكمل علاجه.
أما أنا...
فرجعت لحياتي.
للشغل.
وللعيال.
وللفات المطبخ الفاضي.
وللذكريات اللي كانت مستخبية في كل ركن من البيت.
لكن الغريب إن المساعدات ما وقفتش.
بس المرة دي ما كانتش بتوصل في نص الليل.
ولا بتتحط سرًا على باب الشقة.
بقت تيجي عن طريق الكنيسة والجمعيات الخيرية وأهل المنطقة.
أم محمد قالتلي يومها
في حد متبرع بمبلغ كبير باسم أحمد الله يرحمه.
وكتير من الناس اتحركوا يساعدوا.
في الأول رفضت.
حسيت إن كرامتي ۏجعاني.
لكن ملك وقفت جنبي في المطبخ وقالت
بابا عمره ما كان هيقبل إننا نجوع.
سكت شوية.
وبعدين وافقت.
قبلت الأكل.
وقبلت مصاريف المدارس.
وقبلت تصليح الباب والمواسير.
وقبلت المساعدة.
لكن...
ما قبلتش محمود.
لسه لأ.
كل ليلة كنت أفتح درج الكومودينو.
وأطلع ولاعة أحمد.
وأفضل أبص لها.
وأفكر.
هي رمز للخېانة؟
ولا للرحمة؟
أحيانًا كنت أفتكر كلام محمود وأغضب.
وأحيانًا كنت أفتكر كلام أحمد
غلطة واحدة ما تمسحش كل الحاجات الحلوة.
وساعتها كنت أكره نفسي لأني عايزة أصدقه.
بعد حوالي شهر ونص...
رجعت ملك من المدرسة.
وكان في إيدها ظرف.
حطته قدامي على السفرة من غير ما تتكلم.
بصيت عليه.
اسمي مكتوب بخط مهزوز.
عرفت فورًا إنه من محمود.
فتحته.
وأول حاجة لاحظتها إنه مختلف عن أي جواب قبله.
ما طلبش السماح.
ما بررش نفسه.
ما حاولش يدافع عن أخطائه.
كل اللي كتبه كان
أحمد أنقذ حياتي مرتين.
مرة يوم الحريق.
ومرة لما أقنعني إن حياتي لسه ليها قيمة.
ولو تسمحيلي... أحب أقضي باقي عمري وأنا بحاول أساعد أولادك يعيشوا الحياة اللي كان نفسه يشوفهم فيها.
وفي آخر الجواب كتب جملة واحدة
أنا عارف إني مش هقدر أعوض اللي خسرتيه... لكن أقدر أكرم الحاجة اللي أحمد سابهالي.
قريت الجواب مرة.
وبعدين مرتين.
وبعدين فضلت أبص للسقف.
وصوت ضحك العيال جاي من الأوضة التانية.
وساعتها لأول مرة سألت نفسي
يمكن التسامح مش باب بيتفتح مرة واحدة.
يمكن مجرد شباك صغير بندخّل منه شوية هوا عشان نعرف نتنفس.
ثلاث أيام كاملة فضلت شايلة الجواب معايا.
في المطبخ.
في الشغل.
وجنبي على المخدة وأنا نايمة.
كل مرة أقراه كنت أتضايق.
وكل مرة كنت أحس إنه صادق.
وفي يوم بالليل...
لقيت ملك واقفة في باب المطبخ.
كنت قاعدة قدام السفرة.
في إيدي الولاعة.
وفي الإيد التانية الجواب.
قربت مني وقالت
هتكلميه تاني؟
تنهدت.
معرفش.
ليه؟
بصيتلها.
عشان جزء مني مش عايز يشوفه أبدًا.
والجزء التاني كل شوية بيسمع صوت أبوكي.
ملك سكتت لحظة.
وبعدين قالت
بابا ساعده لأنه كان مؤمن إن الناس ممكن تتغير.
ده ما يخليش اللي حصل عادل.
قلت بهدوء.
نزلت عينيها.
عارفة.
ثم أضافت
بس لو بابا ماټ وهو بينقذ حد... يبقى يمكن كره الشخص ده للأبد يخلي آخر حاجة عملها بابا كلها ۏجع.
الكلام دخل قلبي مباشرة.
لأن بنتي اللي فقدت أبوها...
لسه عندها مساحة للرحمة.
أكتر مني.
تاني يوم...
ركبت العربية وروحت مركز التأهيل.
لوحدي.
الجو كان بارد.
والسما رمادية.
ومحمود كان قاعد جنب شباك