ماما... إنتِ مش هتاكلي؟ج1.. حكايات منــال عـلـي

الجزء الأول
وأنا عندي 39 سنة، اتعلمت إن الجوع مش دايمًا پيصرخ... ساعات بيقعد ساكت على سفرة المطبخ، بيتفرج على عيالك وهم بيعملوا نفسهم شبعانين عشان ما يكسروش قلبك.
الجوع صوته بيبقى زي شوكة بتحك في طبق فاضي، أو صوت التلاجة وهي شغالة ومفيهاش غير الهوا، أو أم بتضحك في وش عيالها وهي مخبية عنهم حقيقة لو عرفوها هتخوفهم.
ماما... إنتِ مش هتاكلي؟
سأل ياسين وهو قاعد قدامي تحت نور اللمبة الصفرا الخاڤتة في المطبخ. وشه كان شاحب شوية، وإيده الصغيرة ماسكة الشوكة فوق آخر شوية مكرونة في طبقه.
مديت إيدي ومسحت نقطة صلصة من على دقنه، كأني طبيعية ومفيش حاجة، وكأن إيدي مش بترتعش من الجوع.
أكلت قبل كده يا حبيبي.
قلتله بابتسامة مصطنعة.
على الناحية التانية من السفرة، ملك بنتي الكبيرة، اللي عندها 13 سنة، وطّت عينيها على طول. كانت كبيرة كفاية إنها تعرف إني بكدب، ومحترمة كفاية إنها ما تفضحنيش.
عمر كان بياكل بالراحة جدًا عشان الأكل يفضل أطول وقت ممكن، أما حبيبة الصغيرة فكانت لازقة في جنبي بنعاس وبراءة كانوا بيكسروا قلبي.
أربع عيال... ودولاب مطبخ فاضي... وشقة كلها تنهيدة مع كل فاتورة متراكمة جوه درج المطبخ.
بعد ما جوزي أحمد ماټ، حياتنا ما انهارتش مرة واحدة.
لا...
وقعت حتة حتة.
الأول مصاريف الډفنة.
بعدها الديون.
بعدها إنذارات التأخير.
بعدها صاحب الشقة القديم وهو بيطالب بالإيجار.
وبعدين أسوأ حاجة...
سكات الدولاب اللي زمان كان مليان رز ومكرونة ومعلبات وبسكوت وحاجات أحمد كان بيرميها في عربية السوبر ماركت من غير ما أخد بالي.
بعد الۏفاة اضطرينا ننقل من المنطقة كلها.
استأجرنا بيت صغير في حي شعبي قديم.
شبابيكه مکسورة.
والمواسير بتسرب.
وباب الشقة ما كانش بيتقفل إلا لو رفعت المقبض وخبطته برجلي مرتين.
كنت بقول للعيال
دي فترة مؤقتة بس.
لكن كل ليلة بعد ما يناموا، كنت أقف في المطبخ وأكتم صوت عياطي بإيدي.
بحاول يا أحمد...
كنت أهمس في الضلمة.
والله بحاول.
بس المحاولة ما كانتش بتدفع فاتورة الغاز.
والحب ما كانش بيملى سندوتشات المدارس.
ومع آخر شهر نوفمبر، بقيت خبيرة في إني أخلي كيلو فراخ يعيش كام يوم، وإزاي أزود الشوربة مية من غير ما العيال تاخد بالها، وإزاي أضحك للكاشير وأنا برجع نص المشتريات عشان الفيزا اترفضت.
الإحراج كان أصعب من الجوع نفسه.
لأن محدش كان يعرف إحنا وصلنا لإيه.
بطلت أرد على قرايبي.
بطلت أكلم صحابي.
وبقيت أروح الشغل، أجيب العيال من المدرسة، وأرجع البيت.
بس.
ما كنتش قادرة أشوف نظرة الشفقة في عيون حد.
أحمد كان دايمًا السند.
الراجل اللي يصلح أي حاجة بايظة.
ويضحك أي طفل بيعيط.
ويخلي أصعب موقف يبان سهل.
من غيره...
البيت بقى هادي زيادة عن اللزوم.
والفواتير بقت صوتها عالي زيادة عن اللزوم.
وكل المسؤوليات وقعت فوق صدري كأنها جبل.
وفي صباح برد جدًا، فتحت باب الشقة وأنا خارجة للشغل.
وفجأة اتجمدت مكاني. حكايات منال علي 
قدام الباب مباشرة كان فيه كيس