"اعمليلي المحشي اللي بحبه .. بقلم منــال عـلـي


أقدر أواجه رغباته ببرود.
لما جرس الباب رن، كانت ريحة المحشي والتسبيكة ماليّة البيت. ريحة دفا قديم كانت فاكرة إنه ماټ، بس اكتشفت إنه كان مستخبي تحت رماد الۏجع. وقفت دينا مكانها للحظة، عدلت طرحتها، وأخدت نفس طويل قبل ما تفتح الباب.
كان كريم واقف قدامها. نفس الوسامة المستفزة، نفس الثقة اللي بتغطي على عيوبه. لابس جاكيت جديد شيك، بس عينيه كانت تايهة، بتلف في أركان الشقة كأنه بيدور على حاجة ضيعها.
إزيك يا دينا.. قالها بصوت فيه بحة تردد مدروسة.
الحمد لله. ردت بكلمة واحدة، باردة زي حتة رخام.
دخل من غير ما تستأذنّه، قلع الجاكيت ورمى مفاتيحه على الترابيزة بنفس الطريقة اللي كانت بتنرفزها زمان. شم ريحة الأكل وابتسم بكسرة
لسه فاكرة إني بحب المحشي من إيدك متوفره على روايات واقتباسات 
دينا حطت الطبق قدامه وهي بتبصله بنظرة فاحصة
فاكرة حاجات كتير يا كريم بس الذاكرة دي لعڼة مش ميزة، ومش معنى إن الواحد فاكر إنه لازم يكرر نفس الغلط مرتين.
بدأ يأكل، ومع كل لقمة كانت ملامحه بترتخي، كأنه بيستمد طاقة من البيت اللي هجره.
البيت كان واحشني أوي يا دينا.. الغربة بره البيت ده صعبة.
رفعت حاجبها وقالت بوضوح
البيوت مابتتوحشش يا كريم.. الحيطان مابتنطقش. الناس هي اللي بتشتاق، أو بتتعلم إنها تبطل تشتاق وتتعود على الفراغ لحد ما يسكنها.
سكت شوية، والجو بقى تقيل، فكمّلت وهي بتبص في عينيه مباشرة
قول يا كريم.. إنت جيت ليه؟ ومن غير لف ودوران.
وطّى عينيه في الطبق وقال بصوت واطي
كنت بفكر.. يمكن ندي لنفسنا فرصة تانية. ليلى محتاجة وجودي، وأنا اكتشفت إني مش قادر أكمل من غيركم.
قامت دينا وراحت ناحية الشباك، بصت للشارع اللي بدأ يهدى، وقالت من غير ما تبصله
لا يا كريم.. إنت مش مش قادر تعيش من غيرنا. إنت بس مش قادر تعيش من غير الخدمة والراحة. إنت محتاج حد يغسل شرباتك، ويسمع همومك، ويقدم لك أكل سخن في نهاية يومك.
لفت وشها ليه وكملت بقوة
إنت سبتنا لما كنت فاكر إن في أحلى بره..