قلعت مريلة المطبخ ورمتها على ضهر الكرسي بهدوء.بقلم منال علي.


بس كل اللي على السفرة سمعوا القنبلة دي.
عم فاروق وقف مضغ.. ودنيا فضلت تبص في نقوش مفرش السفرة كأنها أول مرة تشوفه.. وميدو "اتشرق" وبدأ يكح فجأة.
طنط سميحة بصت لنهى بنظرتها المعروفة.. مزيج من الاستغراب والرفض.
"إنتي كويسة يا حبيبتي؟" نهى ابتسمت ببرود: "زي الفل.. تسلمي."
تيتا أمينة كانت قاعدة في صدر السفرة.. مراقبة المشهد كله.
٨٢ سنة.. شافت فيها كل حاجة: تغير الزمن، خناقات العيلة، وأعياد ميلاد مابقتش تعدها.
عينها كانت صغيرة.. بس ذكية جداً.
سكتت.. في وقت الكل كان مستنيها "ټنفجر" وتتكلم.
بس كانت باصة لنهى.. وبنظرة غريبة شوية.. قريبة جداً من الإعجاب...فجأة، طنط سميحة ملمتش الدور، وقررت تفتح "محضر" تحقيق وسط الأكل.
"والله يا نهى يا حبيبتي، الشغل والعيشة لوحدك في وسط البلد دي غيرت طبعك.. بقى قلبك قاسې على أمك وعلى خالتك اللي ربوكي؟" طنط سميحة قالتها وهي بتميل بجسمها لقدام، ونبرة "المظلومية" مالي صوتها.
نهى ماردتش بعصبية، شدت فوطة السفرة القماش اللي كانت حطاها على رجلها، ومسحت طرف شفايفها برقة، وبصت لخالتها بثبات:
"العيشة لوحدي علمتني إن اللي يتعب في حاجة من حقه يستمتع بيها يا طنط.. أنا جيت بدري، طبخت، ورصيت السفرة، وطلعت الفوط اللي حضرتك بتمسحي فيها إيدك دلوقتي.. تفتكري كتير عليا إني آكل لقمة سخنة معاكم وأنا قاعدة؟"
عم فاروق حاول "يلطف" الجو بطريقته: "خلاص يا جماعة، حصل خير.. متبوظوش اللقمة.. ناوليني بس يا نهى ورك الفرخة اللي جنبك ده."
نهى بصت لعم فاروق بابتسامة خفيفة، بس محركتش إيدها:
"الطبق بعيد عني يا عمو.. حضرتك ممكن تقوم تجيبه، الحركة بركة برضه."
ميدو كتم ضحكته بصعوبة وهو شايف عم فاروق وشه بيجيب ألوان، ودنيا مراته قرصته من تحت السفرة عشان يسكت.
مفاجأة تيتا أمينة
في اللحظة دي، تيتا أمينة خبطت بالشوكه على طبقها.. الصوت خلى الكل ينتبه.
"اسمعي يا سميحة.. واسمعي إنتي كمان يا هدى (أم نهى)."
الكل سكت تماماً. تيتا أمينة كملت بصوت واثق:
"البنت عندها حق. إحنا طول عمرنا بنربي بناتنا إنهم يبقوا 'نفس' في الأكل و'إيد' في الغسيل، وبننسى إنهم بني آدمين ليهم 'راس' بتفكر.. نهى النهاردة عملت اللي أنا كان نفسي أعمله من ٥٠ سنة مع جِدها، بس كنت بخاف من كلام الناس."
بصت لنهى وقالت لها:
"كلي يا بنتي.. وصبي لنفسك عصير.. واللي عايز السلطة، المطبخ مفتوح، يدخل يقلبها لنفسه.
الجو اتغير.. طنط سميحة سكتت وبدأت تاكل وهي "مبوزة"، وأم نهى بصت لبنتها بنظرة فيها ندم مخلوط بفخر مكتوم. لأول مرة، نهى ماحستش إنها البنت الصغيرة اللي خاېفة.. حست إنها "مديرة تصميم" حياتها بجد.
لما خلصوا، نهى قامت غسلت طبقها بس، ولبست شنطتها، ووطت باست إيد تيتا.
"ما بدري يا نهى؟" أمها سألتها برقة المرة دي.
نهى ردت وهي عند الباب:
"عندي شغل الصبح يا ماما.. واليوم كان جميل، كل سنة وتيتا طيبة."
نزلت نهى السلم، وريحة "النفتالين" بدأت تبعد، وريحة الحرية والهواء في شارع شبرا بدأت تملا صدرها. لأول مرة تخرج من البيت ده وهي مش حاسة إنها "هدومها مكرمشة" من الهم.. خرجت وهي فاردة ضهرها.
تمت