قلعت مريلة المطبخ ورمتها على ضهر الكرسي بهدوء.بقلم منال علي.

قلعت المريلة ورمتها على ضهر الكرسي بهدوء.. وقعدت.
كلهم كانوا مستنيين إنها تقوم "توجب" وتخدمهم زي كل مرة — بس المرة دي كانت مختلفة. بقلم منــال عـلـي 
"هو إنتي نسيتي تقطعي العيش للسفرة تاني يا نهى؟"
ده ماكنش سؤال.. ده كان "تقرير واقع"، بالنبرة اللي بتقول: ده الطبيعي بتاعك، وده اللي المفروض يحصل من غير ما نطلب أصلاً.
طنط سميحة كان ليها أسلوبها الخاص.. تتكلم من غير ما تعلي صوتها، ومن غير ما تبصلك حتى، كأنها بتكلم حتة أبلكاش أو كرسي ملوش لازمة.. حاجة مفروض تشتغل من غير نقاش.
نهى ماعلقتش المريلة في مسمار المطبخ زي كل مرة.. رمتها بإهمال وقصد على الكرسي، وخدت كباية المية اللي على السفرة، شربت "بُق" وفضلت باصة من الشباك.
برا.. كان فيه شارع عادي، وعربيات عادية، وناس ماشية بتجري ورا أكل عيشها، ناس مش محتاجة تثبت حاجة لحد في اللحظة دي.
السفرة سكتت.. والصوت اختفى
كان عيد ميلاد تيتا أمينة.. ٨٢ سنة، عقلها يوزن بلد ولسانها "أشر من الموس"، ومقتنعة تماماً إن الست في العيلة هي "شغالة بمرتبة شرف"، ولو قعدت على السفرة وحطت رجل على رجل يبقى خلاص "كبرت على الدور".
اجتمع حوالي ١٢ بني آدم.. الشقة في شبرا قديمة، سقفها عالي وريحة "النفتالين" طالعة من الدواليب، والناس لازقة في بعض زي علبة السردين.
نهى وصلت بدري كالعادة..
ساعدت في تحضير السفرة، قطعت الجبنة، وطلعت صواني الفراخ من الفرن، ورصت الأطباق. حتى فوط السفرة القماش اللي بتتشال من العزومة

بقلم منــال عـلـي 

للعزومة، طلعتها وفردتها بنظام قدام كل واحد.. ولفّت الشقة تدور على "فوط السفره القماش" اللي مفيش حد عارف هي فين، رغم إنهم داخلين الشقة دي مليون مرة.
وبعدين بدأوا يوصلوا..
ميدو ابن خالتها ومراته دنيا: اللي دايماً تجيب نفس التورتة من السوبر ماركت، وبتاخد برضه نفس المجاملات كل مرة.
عم فاروق: اللي بيعرف "يخطف" أحسن كرسي قدام المروحة قبل ما يقلع الجاكيت حتى.
طنط سميحة: أخت أمها الكبيرة.. ببهيبة مديرة مدرسة ونظرة مفتش ضرائب بيراجع وراكي.
وأمها.. اللي سحبتها من إيدها في الطرقة وهمست لها:
"إنتي فاهمة يا نهى.. بلاش تتخانقي مع حد النهارده، مش عايزين نكد."
نهى هزت راسها.. هي طول عمرها بتهز راسها وبس حصري على صفحه روايات واقتباسات بين "مديرة التصميم" و"بنت العيلة"
نهى عندها ٣٤ سنة.. مديرة تصميم في شركة، ساكنة في شقة قريبة من وسط البلد، بتجري الصبح على الكورنيش، وبتقرأ كتب بجد قبل ما تنام، مش بوستات سوشيال ميديا.
كانت عندها حياة.. مرتبة، واضحة، ومبنية بتعبها.
بس أول ما بتهوب ناحية باب الشقة دي.. فيه حاجة جواها بتتقبض، كأنها رجعت بنت عندها ١٦ سنة، وخاېفة تنطق كلمة زيادة.
العيلة زي "الجاذبية".. مش دايماً دافية، ومش دايماً مريحة، بس مستحيل تهربي منها. بتشدك وتضغط عليكي في نفس الوقت.
كل مرة كانت تيجي.. تلبس المريلة "أوتوماتيك" وتدخل المطبخ.
كأنه رد فعل شرطي: "إنتي هنا؟ يبقى تشتغلي."
محدش بيطلب.. محدش بيقول شكراً.. ده "العادي" وبس.
بس النهارده.. فيه حاجة اتغيرت.
أمها قالت وهي باصة في موبايلها:
"يا نهى، السلطة لسه محتاجة تتقلب وتتوزع."
نهى ردت بكلمتين: "أنا قاعدة."
سكون تام..
أمها رفعت عينيها وبصت لها بذهول: "نعم؟"
"أنا قاعدة.. ممكن تقلبيها إنتي يا ماما، أو دنيا تقوم تعملها."
قالتها بهدوء خالص.. من غير عصبية ولا تحدي.. مجرد حقيقة.