حدود الأصول.. بقلم منــال عـلـي

 الصبح - ميعاد اجتماعاتها "الأونلاين" - تلاقي المكنسة الكهربائية اشتغلت بصوتها المزعج في الطرقة.
تفتح "جنى" باب المكتب وهي كاتمة المايك: بقلم منــال على 
– "يا ماما فاطمة، لو سمحتي عندي اجتماع مهم دلوقتي!"
– "يا بنتي ما إنتي قاعدة قدام الشاشة وخلاص!".. ترد "فاطمة" وهي بتشاور بإيدها ومكمله كنس: "الشقة ريحتها تراب، والغبار ده غلط على صدر أدهم، طول عمره وهو صغير كان بيتعب منه!"
وبعدين جه الدور على المطبخ. "جنى" أكلها خفيف، مشويات وسلطات، لكن "الست فاطمة" قلبت المطبخ لمطعم شعبي؛ تقلية، وسمنة بلدي، وطبايخ تقيلة. ريحة الزيت لزقت في ستاير الصالون، ومجات "جنى" المفضلة اختفت في آخر المطبخ عشان "الترتيب الصح" من وجهة نظر الحماة.
لما "جنى" اشتكت لـ "أدهم":
– "يا أدهم، مامتك النهاردة قلبت في الملفات بتاعتي عشان بتمسح التراب.. كدة مش هعرف أركز في شغلي."
"أدهم" بص في الأرض وقال بقلة حيلة:
– "معلش يا جنى، استحملي.. هي عايزة تحس إن ليها لازمة في البيت. سيبيها ترتب المطبخ ولا تطبخ اللي هي عايزاه.. دي حاجات بسيطة."
"جنى" بلعت غيظها وسكتت، لحد ما جه اليوم اللي قلب الموازين. "الست فاطمة" دخلت المطبخ بـ "روب ستان" ناعم، وقعدت قدام "جنى" وبمنتهى الرقة قالت:
– "جنى حبيبتي.. أنا بنحرج أطلب من أدهم فلوس كل شوية، والمعاش بتاعي لسه مطلعش. ممكن تسلفيني الفيزا بتاعتك؟ مش هجيب غير الضروريات بس." بقلم منــال عـلـي 
"جنى" استغربت بس صعبت عليها، وادتها الفيزا. أول يومين الدنيا كانت تمام، بس في اليوم الخامس، الموبايل مبردش من رسائل البنك.
"سحب في مركز تجميل مشهور".. "شراء من محل جزم إيطالي في المول".. "فاتورة صيدلية بمبلغ خيالي".
نص مدخرات "جنى" طارت في يوم واحد!
"جنى" قامت وراحت الصالون، لقت "الست فاطمة" قاعدة بـ "نيولوك" وقصة شعر جديدة، ولابسة جزمة بتلمع وريحة برفانها مالية المكان.
– "ماما فاطمة.. مش حابة تقولي حاجة؟"
– "عن إيه يا حبيبتي؟"
– "عن الفلوس اللي اتصرفت من فيزتي على مساج وجزم وبراندات؟"
الرقة والوداعة اختفوا من وش "فاطمة" في ثانية:
– "وجرى إيه يعني؟ أنا عشت عمري كله لبيتي وعيالي، ومن حقي أدلع نفسي شوية!"
– "تدلعي نفسك من شقايا؟ حضرتك قاعدة في بيتي وبتاكلي من خيري، ودلوقتي بتصرفي شقى عمري؟"
بالليل كان خناق تقيل، "أدهم" حاول يهدي الدنيا، بس "جنى" كانت أخدت قرارها. بعد أسبوعين، "الست فاطمة" كانت في "عزومة" غالية، وطلعت الفيزا تدفع، المكنة رفضت العملية. "جنى" كانت حظرت الفيزا وقفلت الحساب.
هنا "الست فاطمة" فقدت أعصابها وجرت على القسم وطلبت النجدة. لكن الحقيقة بان في لحظة قدام الظابط لما "جنى" أثبتت إن الحساب والفيزا باسمها هي.
الظابط بص لـ "الست فاطمة" بعتاب وقال لـ "جنى":
– "تحبي تعملي محضر؟"
– "جنى" بصت لحماتها بهدوء وقالت: "لا يا فندم، ملوش لزوم.. كفاية عليها الدرس ده."
البوليس مشي، و**"الست فاطمة"** فضلت واقفة مذهولة ومنكسرة. تاني يوم، لمت شنطها ورجعت شقتها القديمة في صمت. و**"أدهم"** لما عرف اللي حصل بالتفصيل، مكنش عنده رد غير إنه يعتذر لمراته.
"جنى" اتعلمت درس مفرقتوش طول حياتها:
إن الطيبة مش معناها إنك تدوس على نفسك.. وإن "الحدود الشخصية" دي خط أحمر، اللي بيسمح للناس تعديه مرة، بيسلمهم مفاتيح حياته للأبد.