وجـع بـارد.. بقلم منــال عـلـي


بعد أسبوع من القطيعة، البيت عند مدحت بقى باهت، وريحته مابقتش "بيت". جرب ياكل من إيد والدته، بس اللقمة كانت بتقف في زوره؛ كان بيفتكر نظرة نهى وهي بتكوي قميصه بضمير، وهدوءها اللي كان مالي عليه دنيته.
في ليلة مطر، جرس الباب رن عند والدة نهى. فتحت نهى ولقت مدحت واقف قدامها، بس مش مدحت "العصبي" بتاع ليلة العزومة. كان باين عليه الهم، وقميصه اللي هي كويته كان مكرمش، وعينيه فيها انكسار ملموس.
دخل الصالة وقعد، وفضل ساكت مدة، ونهى واقفة بعيد، مربعة إيديها وصامدة.
مدحت بدأ الكلام بصوت واطي: «نهى.. البيت وحش قوي من غيرك. جربت آكل وأشرب وأضحك، بس مفيش طعم لحاجة. كل ركن في الشقة بيفكرني بيكي، حتى ريحة المكواة اللي كنت بزهق منها، بقيت مشتاق لها.»
نهى ردت بجمود: «اشتاقت للمكواة ولا للست اللي بتخدمك يا مدحت؟ ما أنت عندك  هناك السفره اللي تفتح النفس.. إيه اللي جابك لحلة الرز البايتة؟»
مدحت قام وقرب منها خطوة: «حقك عليا.. أنا كنت غبي. سحرتني المظاهر وكلمتين أمي، ونسيت إنك إنتي السند الحقيقي. نسيت إن "الشطارة" مش في صنف الأكل، الشطارة في الست اللي شايلة سري وصاينة كرامتي في غيابي. أنا عرفت قيمتك لما لقيت نفسي لوحدي، وعرفت إن الأكل الحلو بيشبع البطن، بس إنتي اللي كنتِ بتشبعي روحي.»
نهى عينيها لمعت بالدموع بس حبستها: «والكلام اللي اتقال؟ والتقليل مني ومن أهلي قدام الناس؟ وإنت واقف تتفرج؟ ده هيتمسح إزاي يا مدحت؟»
مدحت مسك إيديها بتوسل: «مش هيتمسح غير لما أردلك اعتبارك قدام الكل. أنا روحت لأمي وقولتلها إن كرامة نهى من كرامتي، وإن اللي يمسها بكلمة يبقى بيمسني أنا. قولتلها إن بيتي مش هيتفتح غير بيكي، وبشروطك إنتي. أنا مش عايز "ست بيت" شاطرة في المحشي، أنا عايز "شريكة عمر" بتفهمني من نظرة عينيا.»
نهى سكتت لحظة، كأنها بتوزن كلامه بقلبها.
مدحت كمل بندم حقيقي: «ارجعي يا نهى.. ارجعي الحصن بتاعنا. أوعدك إن مفيش مخلوق، مهما كان غلاوته، هيقدر يرمي عليكي كلمة تانية وأنا موجود. أنا عرفت إن النعمة مش في الشقة ولا في السفرة.. النعمة كانت في "وجودك" اللي ضيعته بإيدي.».    بقلم منــال عـلـي 
نهى اتنفست لآخر مرة بۏجع، وبعدين ملامحها بدأت تلين. بصت له وقالت بهدوء: «أنا مش هرجع عشان "الرز" خلص يا مدحت.. أنا هرجع عشان شوفت في عينك إنك فعلاً عرفت قيمة اللي كان في إيدك. بس المرة دي، الحصن بتاعنا هيكون له أبواب قوية.. ومحدش هيدخله عشان يهد فينا تاني.»
مدحت باس إيديها بامتنان، وفي اللحظة دي، عرف إن "الكرامة" لما بتتصان، هي اللي بتخلي للبيت طعم،
مش مجرد سفرة محاشي بتخلص في ساعة.
النهاية