رساله أمي الاخيره.. بقلم منــال عـلـي

كنت لابسة مريلة أمي القديمة لأني متعودة على كده؛ مريلة زرقاء باهتة وعليها ورد أبيض صغير كان زمان منور، وفيها قطة صغيرة عند الجيب مطرح ما كانت بتشيل ورقة المقادير. ولو ضغطت وشي فيها في وقت محدش شايفني، كنت بشم ريحتهاطيف من ريحة عطرها، أو يمكن مجرد ذكرى، وده كان بيبقى كفاية أوي لما بكون محتاجة لها بجد. بقلم منال علي 
كنت برص السفرة زي كل مرة، بتحرك بالتعود. السفرة عندنا كانت كبيرة بزيادة على الصالة، خشبها متجرح وعريض، كأنها جاية من بيت أكبر من بيتنا. أمي كانت بتقول عليها عشرة عمر بحنية، كأنها بني آدم. كل سنة كنت بجرها من على الحيطة وأفرش عليها أطباق مش لايقة على بعض، لأن أمي كانت بتغوي لم الأطباق طبق شيك من هنا، وسلطانية قديمة من هناك، كانت بتخلي كل لقمة احتفال، حتى لو في يوم عادي.
المطبخ كان صهد لدرجة تخلي السمنة تسيح وهي في علبتها. الفرن كان بيطلع ڼار كل ما يتفتح، وريحة اللحمة والفتة لزقت في الستائر وفي هدومنا كأنها ريحة البيت الأصلية. صوت تامر كان عالي في الصالة وهو بيحكي حكاية محدش طلب يسمعها. وشاهندة كانت قاعدة على الكرسي العالي وماسكة كوباية عصير، وعلى وشها النظرة اللي بتظهر لما تحس إنها مرتاحة إن اللي بيحصل ده مش بيحصل فيها هي.
مديت إيدي أعدل طبق الصلصة. كان محطوط معوج، وده كان هيضايق أمي جداً. السوسيرة كانت فخار قديم على شكل مركب صغيرة. وأنا بظبطها جنب الملاحة، شعري نزل على وشي. مبعتدوش، إيدي كانت ملزقة من العجين والشغل متوفره على روايات واقتباسات 
ورايا، سمعت ضحكة بابا 
في الأول افتكرت إنه بيضحك على حاجة حد قالها. هو صوته بيعلى لما مبيكونش جزء من الكلام، كأنه بيفكرنا إنه لسه هو المركز. ملفتش وشي علطول، كنت بكمل رص الأطباق. بعدين سمعت تكة الموبايل وهو بيغير وضعه، وحسيت بحاجة اتقبضت جوايا. لفيت، لقيته واقف عند باب المطبخ، ماسك الموبايل قدام صدره، شاشته منورة، وبوقه مفتوح في نص ضحكة كانت قاسېة شوية حتى وهو قاصد يهزر.
شاهندة ميلت من على الكرسي عشان تشوف بيعمل إيه، وضحكت يا بابا.. يا لهوي، خلاص بقى.
بس مكنتش تقصد خلاص، كانت تقصد كمل. بقلم منال علي 
رجعت للسفرة اقنعت نفسي إن الموضوع مش مستاهل. هو بقى بيحب يصور كل حاجة من ساعة ما أمي راحت، مابقاش فيه حد يقوله عيب كدة. كان بينشر صور الكلب ويكتب عليها تعليقات كأنه هو اللي كاتبها، وينشر صور قديمة لأمي وعليها قلوب، حزن معروض عشان يلم لايكات. قلت لنفسي التصوير هيخلص لما أبطل أبقى لقطة مسليةوفي عيلتنا، ده بيحصل بسرعة.
بس مخلصش. حسيت بالكاميرا ماشية ورايا للمطبخ وأنا رايحة أجيب دورق المية، ماشية ورا ضهري كأنها بتدور على غلطة. بصيت ل تامر وأنا بديله المناديل. إيده كانت فاضيةفاضية من سنين، ومع ذلك محدش قال عليه كسلان. كان باين إنه مريح، كأن ده حقه لمجرد إنه هو.
اضحكي يا نور، قالها وهو بيهزر.
مضحكتش.
العزومة عدت زي العادي، دوشة وواجب. الكل شكر في الأكل كأنه طلع لوحده بالسحر، وكأني مصحيتش من 6 الصبح عشان أجهزه. بابا قام قال كلمتين نصهم شكر ونصهم استعراض للحزن، وإخواتي هزوا راسهم، وأنا براقبهم من طرف عيني وحاسة بقلبي بيحجر.
لما أمي كانت عايشة، الأعياد كانت صعبة بس ملمومة بوجودها. كانت بتخلي كل واحد يحس بقمته. فاكرة الحساسية، والأكل المفضل، وحتى القهوة بتاعة