قوانين بيتنا... بقلم منــال عـلـي


وبترميه على الأرض اللي لسه ممسوحة هو أنا طرشة؟ هحط سدادات في ودني. كفاية كدب بقى.. أنا طهقت هنا، جارتي عواطف ماټت، أقعد أكلم مين؟ الفراخ؟
سكت ماجد وهو حاسس إن الكلام مع أمه زي الكلام مع حيطة سد. بص لأمه، لقاها مكملة تطقطق اللب ببرود أعصاب مستفز، وكأنها بتقول له إن كل حججه دي مابتأثرش في قرارها.
رجع ماجد البيت، ونور كانت لسه صاحية، مابتنامش من كتر التفكير، بطنها بدأت تكبر وبدأت تشيل هم كل حركة في البيت. لما شافته داخل ووشه متجعد ومهموم، عرفت النتيجة من غير ما يسأل.
نور سألته بهدوء مخيف أظن فهمت دلوقتي ليه خالتك هنية عايزة أمك تنقل هنا؟
ماجد استغرب ليه؟
نور كملت وهي بتبص في تليفونها عملت شوية اتصالات.. اكتشفت إن ابن خالتك هنية عليه ديون متلتلة ومحتاج يبيع أرض في القرية، وعلشان البيعة تتم بسعر عالي، لازم الأرض اللي جنبها تتباع هي كمان.. وأرض مين اللي جنبها؟ أرض أمك!
ماجد اټصدم قصدك إنهم عايزين يخلصوا من أمي في البيت عشان يبيعوا الأرض ويقسموا التورتة؟
نور ابتسمت ابتسامة صفراء بالظبط. أمك فاكرة إنها جاية تعيش ملكه في المدينة، وهما في الحقيقة بيطردوها من بيتها عشان يخلصوا إجراءات البيع من ورا ضهرها، أو يمكن بموافقتها بعد ما يقنعوها إنها مش محتاجة الغيط تاني.
في اللحظة دي، ماجد حس إنه مهندس سلامة فاشل بجد، زي ما نور قالت. كان بيشوف الحرائق بره وبيسيبها تولع في بيته. مسك تليفونه، وبدل ما يتصل بأمه كعادته، اتصل بالمحامي بتاع والده الله يرحمه.
المكالمة كانت قصيرة، وبعد ما قفل، اتغيرت ملامح وشه تماماً.
نور عملت إيه؟
ماجد طلعت ورقة الملكية بتاعة البيت في القرية. البيت مش بس باسم أمي، ده متسجل في الوصية إن البيت لا يجوز بيعه إلا بموافقة الورثة، وأنا الوريث الوحيد.
تاني يوم، الست صفية وصلت المدينة ومعاها خالة هنية وعربية النقل اللي مليانة كراتين. دخلت الشقة وبدأت تدي أوامر شيلوا الأنتيكة دي، حطوا الكنبة دي هنا، و سرير البيبي ده خلوه في الصالة.
ماجد وقف في نص الصالة، مابصش لأمه، بص للخالة هنية اللي كانت بتبتسم بخبث. قال بصوت عالي يا خالة هنية، نورتي. بس قولي لي، هو موضوع بيع أرض أمي ماشي كويس؟ ولا استنيتوا لما تنقل هنا عشان تمضّوها على ورق البيع من غير ما تحس؟
خالة هنية وشها جاب ألوان، والست صفية وقفت مش فاهمة حاجة بيع إيه يا ماجد؟ أرضي دي حياتي!
ماجد بص لأمه يا أمي، خالتي جايباكي هنا عشان تخلّي البيت فاضي، ويبيعوا أرضك الغالية اللي أبويا شقي فيها عشان يسدوا ديونهم. أنا وقفت البيعة قانونياً، والبيت ده مش هيتباع، والأرض دي هفضل أنا حاميها.
الست صفية بصت لأختها بغل، وفجأة صوتها العالي اتحول
لصړخة انتي يا هنية؟ عايزة تبيعي أرضي؟
نور وقفت في باب الأوضة، حاطة إيدها على بطنها، وقالت بهدوء البيت ده فيه بيبي جاي، ومحتاج مكانه.. والبلد فيها أرض محتاجة صاحبها يحميها. يا إما ترجعي بيتك وتطردي الخالة اللي بتخطط ورا ضهرك، يا إما هتفضلي هنا، بس من غير أرض، ولا حتى كلمة مسموعة، لأن الشقة دي هتبقى قوانينها قوانين بيتنا.. مش قوانينك.
الست صفية بصت لابنها، ولقت فيه نظرة أبوه عم محمود لأول مرة. حسّت إن عش العيلة اللي في البلد هو المكان الوحيد اللي ليها فيه هيبة، وإن المدينة ب نور وماجد مش هتكون ملعبها.
بصيت لاختها هنية اللي كانت بتحاول تتكلم، وشاورت لها بإيدها تسكت، وقالت بصوت مكسور بس فيه كبرياء لمّي كراتينك يا هنية.. إحنا راجعين البلد.
ماجد ونور وقفوا في البلكونة، بيتفرجوا على العربية وهي ماشية، والشوارع بتهدا تاني. نور مسكت إيد ماجد الخطړ إتحط عليه علامة ممنوع الاقتراب، مش كده؟
ماجد اتنهد براحة أيوة.. ولأول مرة، البيت بقى هادي فعلاً.