قصه بقلم أماني سيد


دلوقتي إنسانة جديدة.
رجعت لمكتبها في مركز علاج الأورام اللي بقى حلمها وحياتها. المركز ده ما جاش بسهولة. بعد ما خفّت وبدأت تستعيد قوتها، كانت شايفة بعينيها المرضى اللي حوالينها في المستشفى. ناس كتير لوحدهم ناس محدش معاهم، زيها بالضبط يوم ما سمعت خبر المړض وهي قاعدة لوحدها قدام الدكتور. يومها وعدت نفسها إن لو ربنا كتب لها عمر، هتعمل حاجة علشان الناس دي ما يحسوش بالوحدة اللي هي حستها.
بدأت تشتغل وتتعلم وتشارك في جمعيات خيرية، ومع دعم أهلها وبعض المتبرعين، قدرت بعد سنين تفتح مركز صغير لعلاج مرضى الأورام ومساعدتهم نفسيًا وماديًا. المركز كبر تدريجيًا وبقى معروف إن أي حد يدخل عند سجده ما يطلعش غير وهو حاسس إن في حد حاسس بيه فعلًا.
وفي يوم من الأيام، كانت قاعدة في مكتبها بتراجع ملفات المرضى، دخلت الممرضة وقالت بتردد
يا دكتورة سجده في ست كبيرة بره، حالتها صعبة جدًا ومعاها ابنها، بس واضح عليهم إنهم محتاجين مساعدة.
سجده قالت بهدوء
دخليهم.
فتح الباب ودخلت ست مسنّة جسمها ضعيف ووشها مرهق. أول ما سجده رفعت عينيها، قلبها وقف لحظة.
كانت حماتها.
الست اللي طردتها من بيتها يوم مرضها كانت دلوقتي واقفة قدامها مکسورة، متعبة، وما تقدرش حتى تمشي كويس.
وراها كان واقف طارق ملامحه باينة عليها التعب والندم.
الغرفة سكتت ثواني طويلة.
طارق كان باصص في الأرض، مش قادر حتى يرفع عينه فيها.
أما حماتها فبصتلها بنظرة مختلفة خالص عن زمان. مفيهاش كبر ولا احتقار فيها خوف وكسرة.
قالت بصوت ضعيف
إزيك يا سجده.
سجده ردت بهدوء
الحمد لله اتفضلي اقعدي.
قعدت الست وهي بتتنفس بصعوبة. طارق أخيرًا اتكلم وقال
الدكاترة قالوا إن عندها ورم وحالتها محتاجة علاج سريع وإحنا سمعنا إن المركز هنا بيساعد الناس.
الكلمة علقت في الجو لحظة.
ورم.
نفس الكلمة اللي كانت بداية اڼهيار حياة سجده زمان.
الممرضة بصت لسجده بقلق، مستنية رد فعلها.
لكن سجده فضلت هادية جدًا. فتحت الملف وبدأت تسأل بهدوء مهني
عملتوا تحاليل؟ أشعة؟
طارق سلّمها الأوراق بإيد مرتعشة.
سجده قعدت تقراهم كويس وبعدين قالت للممرضة
دخلي الحالة على الفحص فورًا وهنبدأ الإجراءات.
حماتها بصتلها بدهشة وقالت
انتي هتعالجيني؟
رفعت سجده عينيها وقالت جملة هادية لكن قوية
المړيض هنا ملوش ماضي المړيض هنا إنسان محتاج علاج وبس.
طارق حس بالخجل أكتر من أي وقت فات.
فضل ساكت لحظة وبعدين قال بصوت مكسور
أنا عمري ما هقدر أنسى إنك عملتي كده بعد كل اللي حصل.
سجده ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت
أنا ما عملتش كده علشانك أنا عملته علشان نفسي.
الأيام اللي بعد كده كانت غريبة جدًا.
حماتها بقت تيجي المركز كل شوية علشان جلسات العلاج. كل مرة كانت تبص لسجده بنظرة فيها ندم كبير.
وفي يوم، بعد جلسة علاج صعبة، قالت لها وهي دموعها نازلة
أنا ظلمتك يا بنتي ظلمتك ظلم كبير.
سجده سكتت كانت سامعة الجملة دي في خيالها مئات المرات، لكن لما
اتقالت فعلًا حسّت بإحساس غريب.
كملت حماتها وهي پتبكي
يوم ما مرضتي أنا خفت على نفسي وعلى البيت بس ما فكرتش فيكي لحظة. دلوقتي عرفت معنى الۏجع وعرفت إن مفيش أصعب من إن الواحد يبقى لوحده وهو مريض.
سجده قربت منها بهدوء، ومسكت إيدها وقالت
اللي فات خلاص ربنا بيعلمنا الدرس بطرق مختلفة.
طارق كان واقف بعيد سامع الكلام قلبه كان بيتقطع.
بعد الجلسة دي خرج ووقف قدام سجده وقال بصراحة لأول مرة
أنا خسرتك وخسړت إنسانة عمري ما هلاقي زيها.
سجده بصت له بهدوء وقالت
يمكن بس أنا كسبت نفسي.
مرت الشهور علاج حماتها بدأ يجيب نتيجة. حالتها اتحسنت شوية، لكن صحتها ما رجعتش زي زمان.
وفي يوم من الأيام، وهي قاعدة مع سجده بعد جلسة علاج، قالت لها بهدوء
أنا مش عايزة أمشي من الدنيا قبل ما أقولك كلمة سامحيني يا بنتي.
سجده بصتلها وقالت بابتسامة دافية
أنا سامحتك من زمان.
الست بكت لأول مرة براحة كأن حمل كبير اتشال من على قلبها.
أما سجده فكانت واقفة تبص من شباك المركز على الناس اللي داخلة وبتخرج. كانت عارفة إن قصتها ما انتهتش لكنها اتعلمت أهم درس في حياتها
إن الإنسان ممكن يتكسر لكن لو قام تاني، ممكن يبقى أقوى من أي حد كان بيكسره.
ومن يومها بقت حكاية سجده مش مجرد قصة مرض ونجاة بقت حكاية إنسانة اتكسرت، واتظلمت، واترمت لكنها قامت من تحت الركام وصنعت حياة أقوى وأجمل من أي حاجة كانت تتخيلها.