خـارج الخـدمـة بقلم منــال عـلـي


ألف جنيه.
القيمة السنوية 600 ألف جنيه.
سبت الفاتورة على طرابيزة المطبخ زي القنبلة الموقوتة.
لما رجع بليل وشافها، وشه جاب ألوان.
إيه ده يا هاني؟ هاني كان بيناديها باسمها، ولنقل هنا
قلت بهدوء ده الرد على سؤالك. ده اللي هتدفعه لو فكرت تجيب بديل يشيل اللي أنا شايلاه.
زعق ده جنان!
رديت الجنان فعلاً إني كنت بقدمه ببلاش لواحد مش شايفني.
وبعدين كملت عايز تعرف تمن الحياة من غيري؟ خلاص، جرب.
وفي الليلة دي.. نقلت حاجتي أوضة الضيوف.
من تاني يوم الصبح، بطلت أعمل أي حاجة.
مش اڼتقام.. بس دي الحقيقة. خلاص، مابقتش الهوا اللي مبيتحسش بيه.
اليوم بدأ.. بالقهوة.
مخبيتهاش، بس ببساطة مابقتش بشتريها، لأن دي كانت مهمتي.. وأنا دلوقتي خارج الخدمة.
دخل المطبخ يدور وهو محتار.
فين القهوة؟
قلت من أوضتي خلصت.
نزل الشغل بقميص مكرمش، بعد ما اكتشف إن الهدوم مابتتكويش لوحدها.
بليل سأل باستغراب مش هتعملي غدا؟
رديت أنا خارج الخدمة.
بدأ يطلب دليفري.. وبعد كام يوم شكل البيت اتغير مواعين متكومة، جرايد وورق مرمي، وژبالة ريحتها طلعت.
هي مش مهام صعبة.. بس مهام مستمرة.
يوم الجمعة، نسي ميعاد زيارة أهله الشهرية، اللي كنت بدير كل تفاصيلها.
ويوم السبت، اټجنن لأنه نسي ميعاد الدكتور بتاعه.
قلت له ببساطة إنت اللي بتدير حياتك دلوقتي.
على اليوم العاشر، الحشرات بدأت تظهر في المطبخ.
بدأ يستوعب حجم النظام اللي كنت بنيه في صمت.
لما أهله جم يزورونا فجأة، ملقوش الأوضة مترتبة، ولا الفوط نضيفة، ولا حتى فيه قهوة في البيت.
حماتي بصت لي بصة طويلة، وهي ماشية وشوشتني
اوعي تتراجعي يا هنا.. فيه دروس لازم توجع عشان تتفهم.
بليل اڼفجر فيا إنتي أحرجتيني قدام أهلي!
قلت له بهدوء إنت اللي أحرجت نفسك، لأنك ماتعلمتش تدير بيتك.
ولأول مرة.. شفت الخۏف ورا نرفزته.
بدأ يفهم إن دي مش نوبة ڠضب وهتعدي.. دي حياته من غير مجهودي.
في الأسبوع التاني، الموضوع مابقاش مجرد مضايقات بسيطة.
بقى حقيقة بتوجع.
فاتورة غاز راحت للتحصيل لأنه نسي يدفعها الفواتير اللي كنت بديرها بالسيستم بتاعي.
محتجتش أقول كلمة.. هو اكتشف الحقيقة بالطريقة الوحيدة اللي بتبين الشغل المستخبي
لما يختفي.. والشبكة اللي سانداه تقع.
مش نزول النقاط في البنك هو اللي كسر هاني.. اللي حصل بعد كده هو اللي كسره.
في الأسبوع التالت، التعب بدأ يبان عليه بجد. مبقاش بيزعق، ولا بيسخر. بقى ساكت.. ومرهق بشكل مشفتوش فيه قبل كده.
بقى يصحى بدري يغسل المواعين اللي كترت، وينسى الغسيل مكمكم في الغسالة، ويحاول يلحق شغله وهو تايه.
في ليلة، دخل البيت متأخر، كرافتته ملووحة، وعينه حمرا.
وقف قدام أوضة الضيوف.. وخبط براحة.
مكنش هاني بتاع زمان.. الواثق اللي دايماً شايف نفسه صح.
قال بصوت واطي ممكن نتكلم؟
قعد على طرف الكرسي كأنه ضيف في بيته.
سكت كتير قبل ما يقول أنا مكنتش أعرف.
مكنتش جملة دفاع.. كان اعتراف حقيقي بقلم منال علي 
كمل وهو بيمسح وشه بإيده كنت فاكر إن الدنيا بتمشي عشان أنا
بشتغل وبتعب.. عمري ما فكرت في اللي بيخليها تمشي فعلاً.
بص لي وقال بكسرة البيت.. حياتي.. راحتي.. كل ده كان إنتي.
وسكت شوية وكمل ولما وقفتي.. حسيت إن الأرض اتشالت من تحت رجلي.
مكنتش حاسة بانتصار.. كنت حاسة بهدوء.
قلت له أنا مش بعاقبك يا هاني.. أنا بس كان نفسي تشوفني.
بلع ريقه وقال أنا شايفك دلوقتي.. بس خاېف يكون الوقت فات.
وقفت وبصيت له.
التقدير مش كلمة بتتقال لما نقع.. التقدير ده روح بتعيش معانا كل يوم.
قلت له بوضوح أنا مش عايزة نرجع زي الأول بقلم منال علي 
ملامحه اتهزت من الخۏف.
بس.. لو هنكمل، هنكمل ك شركاء بجد. مفيش حد شايل حد، ومفيش حد بيتحسب بالفلوس وحد بيتحسب بالسكوت.
هز راسه بالموافقة فوراً، كأنه غريق لقى طوق نجاة.
ومن الليلة دي.. التغيير بدأ.
مش بالكلام.. بالأفعال.
هاني اتعلم ينظم مواعيده.. اتعلم يطبخ حتى لو الأكل كان محروق في الأول.. واتعلم يشوف الشغل قبل ما يتحول لکاړثة.
وبعد كام شهر، وإحنا قاعدين في البلكونة بليل، قال لي فجأة
عارفة إيه أكتر حاجة خوفتني؟
بصيت له.
ابتسم وقال إني اكتشفت إني مكنتش شايلك مادياً.. ده إنتي اللي كنتِ شايلة حياتي كلها.
ابتسمت.. لأن الحقيقة أخيراً بقت مرئية.
ولأول مرة من سنين.. مكنتش الهوا اللي مبيتحسش بيه.
كنت شريكة.. بتتشاف، وتتقدر، وبتتحب كل يوم من جديد.
النهاية