إختفت في غابات الاوزركس


ببرودة تسري في أطرافه. لم يعد السؤال ماذا حدث لميا بل أصبح من فعل ذلك وأين اختفى الآن متوفره على روايات واقتباسات 
وفي المستشفى كانت ميا ما تزال مستلقية بصمت عيناها مفتوحتان تحدقان في السقف. دخلت الممرضة لتطمئن عليها فلاحظت أن يدها تحركت قليلا فوق الملاءة. وعندما اقتربت رأت إصبعها يشير ببطء نحو الطاولة الصغيرة بجانب السرير حيث وضع الحاسوب اللوحي 
وعلى الشاشة تحت الخريطة التي رسمتها سابقا ظهرت خطوط جديدة كانت قد أضافتها قبل قليل
رسم لباب 
وتحت الباب شكل
بسيط لوجه بلا ملامح يقف خارجا.
تبادلت الممرضة نظرة سريعة مع الحارس الواقف عند الباب ثم التقطت الحاسوب اللوحي ونادت الطبيب فوستر. خلال دقائق كان المحقق بيل غيل عائدا إلى الغرفة 407 وعيناه لا تفارقان الرسم الجديد.
اقترب من السرير وقال بهدوء
أضفت شيئا آخر هل كان هناك باب آخر
تحركت عينا ميا ببطء علامة على الموافقة. ثم رفعت إصبعها من جديد وبجهد واضح رسمت مستطيلا داخل المستطيل الأول باب داخل باب. وبعده وضعت خطا طويلا عموديا بجانب الوجه بلا ملامح ثم نقطة صغيرة أعلى الخط.
تمتم غيل
نافذة أم كاميرا
ارتعشت حدقتاها بسرعة ثم رسمت دائرة صغيرة أعلى الباب وبداخلها نقطة سوداء.
كاميرا مراقبة.
ساد صمت ثقيل في الغرفة. لم يكن الكوخ مجرد مكان احتجاز عشوائي بل مساحة معدة ومراقبة. شخص خطط وسجل وراقب.
قال غيل وهو يضغط زر الإرسال إلى الفريق في الموقع
فتشوا الجدران بحثا عن تمديدات كهربائية مخفية أو فتحات عدسات.
في القبو كان خبراء الأدلة يفحصون الجدران الخرسانية عندما صړخ أحدهم
وجدت فجوة هنا!
كانت خلف إحدى السلاسل ثقب صغير بالكاد يرى يتصل بأنبوب معدني دقيق يمتد داخل الجدار. وبعد إزالة لوح خشبي مموه في الطابق العلوي ظهر صندوق معدني يحتوي على بطاريات قديمة وجهاز تسجيل رقمي متصل بكاميرا دقيقة.
قال أحد الضباط بصوت منخفض
كان يشاهدها طوال الوقت.
لكن الاكتشاف الأخطر لم يكن الكاميرا بل ما وجد محفورا على الجانب الداخلي للباب السفلي. كلمات محفورة بأداة حادة بالكاد تقرأ
الصمت طاعة.
ارتجف أحدهم وهو يلتقط صورة للعبارة.
في المستشفى عاد غيل إلى سرير ميا وأدار الشاشة نحوها. كتب بخط واضح
هل تعرفينه
ظلت عيناها ثابتتين لحظة ثم انحرفتا يسارا.
كتب مجددا
هل كان شخصا قريبا منك
انهمرت دمعة بطيئة من زاوية عينها.
لم تكن دموع خوف. كانت اعترافا.
مد المحقق يده ووضعها برفق فوق يدها الضامرة
نحن قريبون.
رفعت إصبعها مرة أخيرة ورسمت شيئا صغيرا تحت الوجه بلا ملامح خطين قصيرين على الجانبين كأنهما أذنان بارزتان ثم نقطة على جانب الرأس.
تجمد غيل وهو يتذكر صورة قديمة في ملف القضية متطوع شارك في البحث قبل عامين رجل هادئ ملامحه عادية حد الاختفاء لكن أذناه كانتا بارزتين بشكل لافت وعلى صدغه الأيسر شامة داكنة.
همس
يا إلهي
في تلك الليلة صدر أمر تفتيش عاجل باسم إيثان مور فني صيانة الأجهزة الطبية السابق الذي ترك عمله فجأة قبل عام ونصف. عنوانه الحالي يبعد أقل من عشرة كيلومترات عن الكوخ.
وعندما داهمت الشرطة منزله عند الفجر وجدوا شيئا لم يكن في الحسبان.
المنزل كان خاليا.
لكن في غرفة خلفية صغيرة كانت هناك طاولة معدنية نظيفة وأدوات جديدة لم تستخدم بعد.
وفوق الطاولة دفتر مفتوح على صفحة واحدة كتب فيها تاريخ اليوم وتحت التاريخ جملة قصيرة
الصوت ضعف.
والصمت كمال.
في المستشفى انخفض صفير تنفس ميا قليلا بعد تدخل جراحي أولي لفصل بعض الالتصاقات. لم تستطع الكلام بعد وربما لن تستعيد صوتها كاملا أبدا.
لكن عندما دخل المحقق ليخبرها أن المشتبه به هارب وأن البحث جار لمعت عيناها بشيء مختلف هذه المرة.
لم يكن
خوفا.
كان انتظارا.
وعلى الطاولة بجانبها بقي الحاسوب اللوحي مضاء
وتحت رسم الوجه بلا ملامح أضافت خطا أخيرا
مفتاح..
عاد الطبيب فوستر بعد أيام بنتائج التحاليل الدقيقة للنسيج الذي أزيل جراحيا من فم ميا. 
وقف غيل يتأمله طويلا تحت ضوء المكتب.
لم يكن يحمل أي علامة تصنيع ولا رقم تسلسلي ولا أثر بصمات.
قطعة صنعت يدويا بعناية شخص يفهم التشريح جيدا متوفره على روايات واقتباسات بعد أسابيع تحسنت حالة ميا جسديا. تمكن الأطباء من فصل الالتصاقات جزئيا وأصبح بإمكانها فتح فمها سنتيمترات قليلة. حاولوا اختبار قدرتها على إصدار صوت.
تحرك لسانها ببطء.
اهتز حلقها.
وخرج صوت خاڤت غير مفهوم أشبه بأنين مبحوح.
لكن شيئا كان مختلفا.
فالأعصاب المسؤولة عن تشكيل الحروف كانت قد تضررت بشكل دائم. حتى بعد إزالة القابس حتى بعد تحرير اللسان بقي صوتها محبوسا داخلها.
لم يعد الصمت مفروضا عليها بأداة.
بل أصبح أثرا بيولوجيا لا يمحى.
تم العثور على إيثان مور بعد ثلاثة أيام مختبئا في مستودع مهجور. لم يقاوم الاعتقال. لم يبرر. لم ينكر.
وخلال المحاكمة لم تنطق ميا بكلمة.
جلست في القاعة عيناها ثابتتان عليه.
وعندما طلب منها الإدلاء بشهادتها قدمت المحكمة تسجيلا رقميا لرسوماتها الأولى الطريق الباب الوجه بلا ملامح.
حكم عليه بالسجن المؤبد دون إمكانية الإفراج المشروط.
لم يبتسم.
لم يغضب.
قال جملة واحدة فقط قبل إخراجه من القاعة
الصمت اختيار.
لكن القاعة لم ترد.
في مساء هادئ بعد شهور جلست ميا أمام نافذة غرفتها الجديدة في مركز إعادة التأهيل. كانت تحمل دفترا وقلما. لم تعد تستخدم الجهاز اللوحي.
كتبت جملة قصيرة بخط مرتجف
لم يكن الصمت اختياري.
ثم أغلقت الدفتر.
لم تستعد صوتها.
ولم تعد كما كانت.
لكن الشيء الذي كان داخل فمها ذلك القابس المعدني البارد أصبح الآن محفوظا في صندوق أدلة مغلق داخل مخزن المحكمة.
قضية أغلقت رسميا.
الفاعل في السچن.
الكوخ مهدم.
الدفاتر مؤرشفة.
والصمت
لم يعد سلاحا بيده.
تمت