أخر سطر في الدفتر ج1.. حكايات منــال عـلـي

الجزء الاول 
يعني الشوربة اللي أنا عاملاها مش عاجباكم؟ خلاص، النهاردة مفيش حد هيتغدى.
قولت الجملة دي وأنا ببص في عينيهم هما الاثنين طق قطع، وبعدها شلت الحلة من على البوتاجاز رقعتها على جنب. فجأة المطبخ كله صهد وسكت، والجو بقى تقيل كأنه الهدوء اللي قبل العاصفة. ماحدش صدق إني بتكلم جد وبجدية غير لما فتحوا التلاجة ولاقوها ناشفة... لا حلة، ولا أطباق، ولا لقمة واحدة جاهزة. ساعتها بس استوعبوا إني مش بهزر.
خفيفة أوي ومفيهاش طعم قالتها حماتي، أم محمد، وهي بتهبد بالمعلقة في طبقها كأنها بتعد دقات صبري اللي خلاص نفد.
قولتلك مېت مرة الجزر لازم يتبشر مش يتقطع مكعبات كدة. وكمان حاطة بهارات كتير ومضيعة طعم اللحمة.
الشوربة كانت لسه سخنة ملهلبة وبتطلع بخار. قبلها بخمس ساعات بحالهم كنت نازلة السوق من نجمة الصبح عشان أنقي حتة لحمة بلدي ملبسة وكويسة، ووقفت عند الجزار اخترت القطعية بالظبط عشان محمد بيحبها بالطريقة دي. رجعت البيت، غسلتها ونضفتها وشوحتها بفس فص مستكة وحبهان وسويتها على ڼار هادية، وكل شوية أدوق وأظبط الملح والبهارات بالملي.
وفي الآخر؟
خفيفة ومفيهاش طعم.
أنا بشتغل صيدلانية ست أيام في الأسبوع. طول اليوم واقفة على رجلي بين روشتات وزباين وحسابات وطلبيات. يوم السبت هو اليوم الوحيد اللي بلحق أتنفس فيه وأفرد ضهري. لكن من ساعة ما حماتي نقلت وسكنت في الحي اللي جنبنا، اليوم ده ما بقاش بتاعي خالص.
كل أسبوع نفس الفيلم ونفس السيناريو.
من غير مكالمة، ومن غير ما تسأل حتى لو كنا ورايا حاجة ولا لأ.
الساعة عشرة الصبح تلاقي الباب بيخبط. محمد يقوم يجري يبوسها من خدها ويقعد قدام التلفزيون يتفرج على الماتش، وأنا أترمي تاني قدام البوتاجاز في الصهد.
يا نهى، ما تنطقي وتردي! قالتها وهي بتزق الطبق بعيد عنها بقرف، كأنها بترفضني أنا مش بترفض الأكل.
أمي الله يرحمها كانت بتطبخ لدرجة إن المعلقة كانت تقف في الشوربة من كتر دسامتها. أما عندك... مفيش، مية بيضا.
يا ماما، الشوربة حلوة والله وزي الفل قالها محمد بصوت واطي وهو عينه في طبقه ومش قادر يرفعها.
إنت أي حاجة بتسلك معاك ردت عليه وهي بتلوح بإيدها بقلة حيلة. ما بتفرقش معاك الأصول. أنا بس اللي واخدة على الأكل الصح والنفس العالي.
وقفت مكاني مذهولة.
المريلة كلها بقع ډم ولحمة وصلصة، وإيديا محمرة ومورمة من السخونة وڼار الفرن. تلات ساعات شقى، ولحمة الشيء الفلاني، وكريمة لباني طازة.
وفجأة لقتها قامت من مكانها وخدت طبقها، وبمنتهى البرود دلقت اللي فيه تاني في الحلة!
مش في الحوض.. لأ، في الحلة الأساسية اللي هناكل منها كلنا!
قدام عيني!
لسه مستويتش كويس قالتها بكل برود وهدوء مستفز. محتاجة تاخدلها كام غلوة كمان على الڼار.
مع إني عارفة ومتأكدة إنها دايبة ومستوية ع الآخر.
في الشغل زمايلي الدكاترة بيطلبوا مني وصفات الأكل ويكتبوها ورايا بالورقة والقلم. وفي بيتي؟ مفيش غير القطم والانتقاد والكسرة وبس.
خدت الطبق من إيدها ورزعته في الحوض.
لو الأكل مش عاجبكم، ما تعذبوش نفسكم وتاكلوه ڠصب عنكم.
بصتلي نظرة غل كأني عدوتها الملدودة.
محمد اللقمة وقفت في زوره ومبقاش عارف يبلعها.
والمطبخ كله ساد فيه صمت رهيب.
أنا قصدي مصلحتك يا بنتي قالت وهي بتلوي بوزها وضامة شفايفها. أنا بعلمك وبنور عينك.
تمان سنين.
تمان سنين من التعليم والتنظير.
وأنا كل مرة ببلع اللقمة بدموعها وبسكت عشان المركب تسير.
بعد أسبوع بالظبط، أعلنت رسمي إنها هتيجي كل يوم سبت عشان تساعدني في البيت.
محمد وشه نور وفرح.
وأنا هزيت راسي وخلاص وقلت أمري لله.
السبت اللي بعده جت ومن باب الباب لاقيتها شايلة كيس أسود مليان برطمانات بهارات.
فلفل أسود، ورق لورا، زعتر، أوريجانو.
وقلبت الكيس كله على السفرة.
دي البهارات المحترمة اللي ليها ريحة.