بيعي شقه أبوكي.. حكايات منــال عـلـي الجزء الثاني والأخير


تاني ليلة بعد المحكمة.. وفي وقت متأخر من الليل والمكان هس هس...
باب الشقة اتفتح فجأة!
منة وأحمد اتفزعوا من مكانهم، ووقفوا يبصوا ناحية الباب بقلب مقبوض.. كانت ليلى!
واقفة عند العتبة، وشها شاحب ومخطۏف وتعبان، بس عينيها كان فيها نفس العناد القديم، وفي إيدها.. نفس شنطة السفر الفاضية.
بصت لبنت جوزها وقالت بهدوء غريب مش متعودين عليه منها
إنتي كسبتي يا منة.
سكتت لحظة وبلعت ريقها بتعب
مبروك.. الشقة بقت بتاعتك وخلاص.
اتجمدت منة مكانها ومبردتش، أما أحمد فاتقدم خطوة وهو لسه مش مأمن لها ولا لواقفاتها
طنط ليلى.. إنتي إيه اللي جابك في وقت زي ده؟ وتفتحي الباب إزاي؟
اسكت يا أحمد.. سيبني أتكلم كلمتين قبل ما أمشي.
لأول مرة كان صوت الست دي مهزوز ومكسور بالشكل ده، تابعت وهي بتبص للأرض
أنا فهمت متأخر إني مكنتش بحارب عشان الشقة ولا عشان الطمع في الفلوس.. أنا كنت بحارب عشان حاجة راحت مني ومش هترجع تاني.. كنت بحارب عشان الأيام اللي كان فيها محمود جنبي ومأمنّي.
بدأ صوتها يرتعش ودموعها تنزل بجد
سنين عشتهم معاه، كنت بنكد عليه أه.. بس فجأة اختفى من الدنيا، وأنا مش عارفة أعيش في البيت لوحدي من غيره ومبقاش ليا قيمة.. حسيت إن شقته دي هي الحاجة الوحيدة اللي فاضلة منه وكنت عايزة أكلبش فيها بأي طريقة عشان محتاجاله.
حطت الشنطة الفاضية على الأرض، وفجأة وقعت من جيب الشنطة صورة قديمة باهتة. انحنت منة بسرعة وجابتها من على الأرض.. كانت صورة من سنين طويلة؛ الحاج محمود وهو لسه شاب، وشايل بنته منة وهي طفلة صغيرة بين إيديه وبيضحك من قلبه.
بصت ليلى للصورة، وبعدين بصت لمنة، ولأول مرة من وقت ۏفاة الحاج محمود، يبان الۏجع والكسرة الحقيقية في عينيها.. مش الڠضب ولا الطمع.. ۏجع الفقد والوحدة.
قالت بصوت خاڤت وهي بتدير وشها
سامحيني يا منة.. أنا قسيت عليكي، بس كنت عميانة.
وما استنتش رد من حد، لفت بهدوء وخرجت من الشقة، وقَفلت الباب وراها في صمت تام، وسابت المفتاح القديم اللي كان معاها في قفل الباب من بره.
مرت شهور.. والشقة اتحولت لبيت حقيقي بجد. الستاير اتركبت، والأرفف اتملت بالكتب، وريحة القهوة بقت تملى المكان كل يوم الصبح وتجيب الطمأنينة. أما الصورة القديمة اللي وقعت من الشنطة.. فكانت محطوطة في برواز شيك جنب الشباك.
منة كانت كل ما تبص للصورة تفتكر إن الأب الطيب بيسيب أثره حتى وهو في دار الحق. وفي ليالي كتير، كانت بتحلم بأبوها قاعد على كرسيه المفضل، مبتسم ومرتاح ومطمن عليها.
وأحياناً.. كانت بتسمع في منامها صوت دافي وبعيد جدًا، كأنه صوت أمها الحقيقية المټوفية وهي بتقولها بطبطبة خلي بالك من الشقة دي يا بنتي.. متفرطيش فيها، دي أمانك.
فتصحى من النوم والابتسامة على وشها، لأنها كانت عارفة إنها وأحمد حاربوا عشان سبب يستحق، وعشان هدية غالية من راجل غالي.
وأخيراً.. بعد شهور من التعب والخناقات والمحاكم، نزل السلام على البيت، واستقرت روح الحاج محمود في المكان اللي بناه بحبه وتعب عمره.. البيت اللي كان آخر، وأجمل هدية لبنته.
تمت،،