إنتوا بتاكلو و بتتهنوا و أنا ولا حتى بتعبروني.. بقلم منــال عـلـي

 والبر، بس مش بالذل ولا بالطاعة العمياء اللي بتهد بيتي.
مريم كانت بتبص له بذهول.. مش مصدقة إن ده كريم اللي كان بياكل في نفسه ويسكت عشان يرضي الكل.. كريم النهاردة اختار يرضي "الحق".
الست سنية قامت وقفت فجأة بنفضة، وشها كان محقن پالدم:
— يعني إيه؟! خلاص بقيت عايز تطرد أمك؟ أنا كان قلبي حاسس إن دي آخرتها من يوم ما اتجوزت "بنت الأقاليم" دي! خلاص.. أمك كبرت وعجزت وبقت حمل على قلبكم!
لفت وشها ناحية الباب بكرامة مچروحة، وبدأت تمشي بسرعة، لكن كريم لحقها عند الطرقة وحط إيده على كتفها بحنية ممزوجة بحزم:
— يا أمي استني.. محدش بيطردك، والبيت بيتك قبل ما يكون بيتي. أنا بس "شديت حيلى" وبقيت راجل مسؤول عن أسرة، ولازم حضرتك تفهمي إن خصوصية بيتي خط أحمر.
سكت ثانية وهو بيبص في عينيها التايهة، وكمل:
— لو محتاجة جزمة، أو لبس، أو حتى عيوني.. هجيبلك، ومن غير ما تطلبي. بس من النهاردة، مريم مش هتسمع كلمة تجرحها تاني.. ولا أنا هسمح لبيتي يتهز بسبب خناقة على "علبة زبدة".
الست سنية بصت له، ولأول مرة ملامحها "تتكسر" فعلاً.. شفايفها ارتعشت والكلام وقف في زورها، كأنها اكتشفت فجأة إن ابنها الصغير كبر مابقاش محتاج "توجيهاتها".
— أنا.. أنا بس كنت عايزاك تبقى أحسن من أبوك.. ما تعيشش طول عمرك "مكسور الجناح" وبتجري ورا القرش والديون والجمعيات.
كريم قرب منها وطبع بوسة على راسها:
— يا أمي.. أنا فعلاً أحسن، عشان عندي زوجة صالحة وعيلة مستقرة.. وإنتِ العمود اللي ساندنا، فأرجوكي ما تكسريش العمود ده بإيدك.
الهدوء رجع تاني يرفرف على المكان.. الست سنية اتنهدت تنهيدة طويلة ومالت بجسمها وقعدت تاني على الكنبة بتعب، كأنها فجأة كبرت عشر سنين في دقيقة واحدة.
مريم دخلت المطبخ بهدوء، صبت كباية شاي "كشړي" بالنعناع، وحطت فيها معلقة عسل نحل زي ما حماتها بتحب، وقدمتها لها من غير ما تكسر عينيها فيها.
— اشربي يا طنط.. الشاي ده هيظبط دماغك ويهدي البرد.
الست سنية رفعت عينيها لمريم.. ولأول مرة، نظرة "الشرر" والغل اختفت، وحل مكانها نظرة تيهة واستسلام. هزت راسها بخفة، ومسكت الكوباية بإيديها الاتنين كأنها بتدفي صوابعها السقعانة.
ببطء.. السکينة رجعت للبيت.
ريحة الأكل لسه موجودة، وصوت الساعة بقى مريح مش مزعج، ونفس آدم المنتظم كان هو الموسيقى التصويرية للمشهد.
لما الست سنية لبست جاكيتها وقررت تمشي، وقفت لحظة على عتبة الباب، وبصت لنور الصالة الدافي اللي منعكس على السلم. ولأول مرة من سنين.. حست إن بيت ابنها مش "ساحة معركة" هي لازم تنتصر فيها.. هو بيت، وله أصحابه.
جوه الشقة، كريم قفل الباب وورب الترباس، ولف لمريم اللي كانت عينيها مليانة دموع.. حضنها بقوة وهمس في ودنها:
— حقك عليا.. أنا أسف إني اتأخرت أوي عشان أقول الكلام ده.
مريم ما ردتش.. بس غرزت راسها في كتفه وغمضت عينيها براحة.. لأول مرة من يوم ما اتجوزوا، حست إن الهوا جوه الشقة "خفيف" وبيتشّم بجد.
النهاية