أمي و كفي.. بقلم منــال عـلـي

الليلة دي كانت أول مرة أشوف فيها أمي بجد.. مش وهي واقفة في البلكونة بتنشر الهدوم وبتمسي على الجيران، ولا وهي في المطبخ بتعمل كوباية الشاي بالنعناع جنب الكاتل اللي صوته عالي، ولا وهي لابسة "الروب" القطيفة اللي ريحته دايمًا بخور ومسحوق غسيل.
**شفتها في الشارع.**
**تحت مطر الشتا.**
**قدام باب شقتنا.**
كانت قاعدة على "دكة" خشب مکسورة، وحاضنة في حجرها شنطة قماش من بتاعة السوق، دايبة ومبهدلة.. كأن الشنطة دي هي كل اللي حيلتها من الدنيا.
في اللحظة دي.. الـ 12 سنة اللي ضاعوا من عمري مابقوش تضحية.. بقوا كڈبة كبيرة قوي، تمثيلية سخيفة كنت أنا البطل المغفل فيها.
يمكن كل واحد فينا بتعدي عليه لحظة "كسرة".. حاجة جواك بتطق من غير صوت. لا صويت، ولا لطم، ولا دراما.. بس بتلاقي نفسك واقف، لسه بتتنفس، ولسه ماسك شنطة هدومك في إيدك.. بس عارف ومتأكد إن "أحمد" القديم ماټ، ومش هيرجع تاني.
**أنا رجعت من الشغل بدري.**
قلت أعملهم مفاجأة.. بعد يوم يهد الحيل، وبعد "شفتات" مابتخلصش، وشيل وحط في مخازن **العاشر من رمضان**.. في عز البرد، لما إيدك بتشقق وټنزف ډم حتى وأنت لابس "جوانتي" صوف.
12 سنة وأنا ساقية مابتوقفش: شغل.. سكن مغتربين.. تحويل فلوس.. مكالمة دقيقتين أطمن عليهم.. تعب.. ونوم من غير ما أشبع منه.
كنت ببعت القرش على القرش كل أسبوعين.. ساعات كنت بـأجل أجيب لنفسي طقم جديد أو جزمة أستر بيها نفسي، عشان أمي تلاقي حق "دوا السكر والضغط".. وساعات كنت بقضيها عيش وجبنة وأي حاجة تسد الجوع، عشان سمر مراتي تقولي: "ماما تعبانة ومحتاجة إشاعة وتحاليل ضروري".
**وأنا.. أحوّل وأنا ساكت.**
سمر كانت دايمًا هادية.. هدوء يقلق.
"ماتشغلش بالك يا أحمد، أنا شايلة مامتك في نني عيني.. دي معاها كل حاجة، دفعت الوصلات، وجبتلها الدوا، وجبتلها لحاف فايبر تقيل يدفيها".
الثقة اللي في صوتها كانت بتخليني أهرب من أي شك.. لأن الحقيقة كانت هتبقى أتقل من إني أستحملها.. أسهل بكتير تصدق اللي نايمة جنبك على المخدة، من إنك تعترف إنك ماشي في ضلمة ومحدش مسمي عليك.
**لما دخلت البيت..**
أول حاجة خبطت في مناخيري كانت ريحة التراب المبلول.. اللمبة اللي فوق الباب كانت بترعش ونورها أصفر كئيب. على الحبل "فوطة" مبلولة بتتهز مع الهوا.. وجنب الحيطة جردل فاضي.
**وعند الباب.. أمي.**
في الأول والله ما عرفتها.. صغرت قوي.. خست للنص.. بقت خفيفة كأنها خيال.. شبشبها مقطوع، وعلى قورتها لزقة چروح، وشعرها مبلول ولازق على وشها من المطر.
بس شنطة القماش القديمة.. هي هي.. اللي كانت بتروح بيها سوق "الثلاثاء".. ودلوقتي، زي ما فهمت بعدين، فيها ورقها.. دواها.. نظارتها.. وغيارين.
**حياتها كلها.. متلخصة في شنطة.**
وقعت شنطتي من إيدي على الأرض:
— يا أمي!
رفعت راسها بالعافية.. بصتلي كأنها شايفه واحد مېت قام من التربة:
— أحمد؟.. يا ضنايا؟
نزلت قعدت تحت رجليها في الطين والمطر مغرقني: