الملف الازرق.. بقلم منــال عـلـي


حاول يلم الدور بسرعة، وقال إنه كان "بيحمي البيت"، وإني "فهمت غلط"، وإنه خاف عليا أقعد لوحدي. بس وهو بيرغي، خالتي سميرة راحت لدرج مكتب بابا، وفتحت الدرج التاني، وطلعت "الملف الأزرق".
الملف كان فيه عقود البيت، والوصية، وتوكيل رسمي بابا كان عامله لخالتي سميرة — مش لهاني — بعد أزمة قلبية جات له من تلات سنين، عشان هي اللي تتصرف لو جراله حاجة. والبيت متقسم شرعاً بيني وبين هاني بس "بعد" وفاتهم. يعني ملوش حق يطردني ولا يغير قفل.
هاني كان بېكذب في كل كلمة.
حاول يخطف الملف، بس خالتي شالته وقالت لي: "اطلبي النجدة يا منال."
وفي اللحظة دي، الستار وقع وكل حاجة انكشفت.
في الأول البوليس اتعامل مع الموضوع كأنه خناقة عائلية، بس الورق والتوكيل غيروا كل حاجة. هاني ملوش أي صفة، وملوش حق يطردني، ولا يغير بيانات المستشفى. الضابط سأله لو كان انتحل صفة "المسؤول الوحيد"، وبدأ هاني يتلجلج بكلمات المتهمين:
— "يا باشا أنا كنت بحاول أساعد أختي بس.".    بقلم منــال عـلـي 
الضابط أمره يلم حاجته ويمشي من البيت فوراً.
خرج وهو بيصوت ويقول إني بسخن الناس عليه، كأن اللي عمله ده عادي. وقفت في البلكونة مع خالتي، وشنطي لسه في العربية، وحسيت براحة مش قادرة أوصفها.. مش بس انتصار، لكن حسيت إن الأرض رجعت تحت رجلي تاني. الحزن كان مهوهو عليا، بس الحقيقة هي اللي سندتني.
الأسابيع اللي بعد كدة كانت صعبة. كنت متبهدلة بين المستشفى، وشركات التأمين، وتوضيب البيت. عرفت إن هاني كان بدأ يقلب في ورق بابا، وكلم سمسار عشان يثمن البيت، وحتى كان بيحاول يبيع "عدة الميكانيكا" بتاعة بابا من الجراج. مكنش بيحزن.. كان بيعد "الغنائم".
بابا خف الأول، ولما فاق وركز، حكيت له كل حاجة. سمعني وهو ساكت، وبعدين طلب موبايله. وبما إنه مكنش قادر يتكلم كتير، خالتي كلمت المحامي بتاعه، وفي آخر الأسبوع، هاني استلم إنذار رسمي بمنعه من التصرف في أي حاجة تخص بابا وماما.
ماما خفت ببطء، بس لما رجعت لها صحتها، كانت أشد واحدة فينا. هاني جه المستشفى في يوم وجايب ورد وبيعيط وبيمثل الندم. سابته يتكلم دقيقة، وبعدين قالت له:
"أنت حزنت عليا يا هاني قبل ما ربنا يقبض أمانته.. استعجلت موتنا عشان الورث."
بكي ساعتها، مش عارفة ندم ولا خوف من اللي ضاع منه. قال إنه كان "مزنوق في قرشين" والشيطان إتشطر عليه. بس بابا طرده وقال له ميرجعش إلا لما يفهم إن "المسامحة" مش معناها إنه يدخل البيت تاني.
مرت الشهور.. بابا وماما رجعوا البيت، تعبانين شوية بس منورين الدنيا. الزرع رجع يملى البلكونة، وماما بدأت تمشي بالعكاز، وبابا قاعد قدام التليفزيون بيشتكي من الأفلام الجديدة. الحياة رجعت.. وكل تفصيلة فيها بقت غالية عندي.
هاني اختفى فترة، وبعدين بعت لي رسالة. مكنش بيطلب فلوس، بس اعترف إنه لما افتكر إنهم ماتوا، شاف قدامه فرصة ومقدرش يقاوم طمعه. الخۏف خلاه أناني، والطمع خلاه جاحد.
مردتش عليه وقتها.. الحياة مش فيلم بنهاية سعيدة 100%. في چروح بتلم، وچروح بتسيب أثر ميروحش.
أما أنا، فتعلمت درس عمري: عمري ما هخلط بين السكوت والضعف. كنت فاكرة نفسي ماليش ضهر، بس الحقيقة إن الورق، والدليل، وكلمة "لأ" في وقتها.. هما اللي بيعملوا الفرق.
النهارده، بابا وماما لسه معايا. بنتجمع كل يوم جمعة على الغدا. هاني بيحاول يرجع بالراحة، بس بشروطنا إحنا، مش شروطه هو. وأنا رجعت كملت دراستي وبنيت حياتي، وعرفت إن "البيت" مش بس حيطان.. البيت هو المكان اللي حقك فيه محفوظ، والناس اللي فيه بيخافوا عليك بجد.