بـعـد الـغياب بقلم منــال عـلـي

نقطة التحول كانت يوم تلات، لما جارتي "فاطمة" -ست رغاية بس قلبها طيب- قعدت معايا وقالتلي: "يا مروة يا حبيبتي، أنتِ بتضيعي نفسك في الحزن". فاطمة حكتلي عن جمعية خيرية في الحي محتاجة حد ينظم ورش تعليم كبار. رحت، ومن أول يوم شميت فيه ريحة الطباشير والكتب القديمة، حسيت إني رجعت لروحي.
بعد سنتين، مروة بقت "مروة التانية". الستات بطلوا يشفقوا عليا وبقوا بيحترموا قوتي. اشتغلت في مبادرات مجتمعية، وبقيت اسم مسموع. وفي عز ما أنا في قمة نجاحي، ظهر "عماد". مهندس معماري، أرمل، قلبه طيب ومريح. عرفته لما جيه يشرف على تجديد المركز. عماد كان زي "الهدنة" بعد حرب طويلة. حبه كان هادي، مش ڼار بتلسع، لا، كان دفا بيطمن. ولادي حبوه، وأحمد ابني لقى في عماد "الجدعنة" اللي فقدها في أبوه.
في الوقت اللي كنت بسترد فيه حياتي، سامي كان بيقع. الحياة مع ياسمين مكنتش الورد اللي كان متخيله. الفلوس خلصت، المشاكل زادت، وياسمين سابته وسافرت.
يوم خميس، والمطر نازل يغسل شوارع الحي، خبط الباب.
فتحت.. لقيت سامي. ملامحه عجوزة زيادة 20 سنة، وشه أصفر، ومبهدل. بصيتله.. مكنش في قلبي لا فرح پشماتة، ولا حقد. كان في "مسافة".
قال بصوت مخڼوق: "مروة.. أنا عارف ماليش حق".
بصيت للبيت من ورا ضهره.. البيت اللي بقى فيه دفا وكتب وورد، وحياة هو مكنش جزء منها.
قال: "محتاج أتكلم دقيقتين بس".
فتحت الباب على آخره، مش عشان يدخل يرجع، بس عشان يشوف الفرق. دخل وقعد في الصالون، بص حواليه وشاف قد إيه البيت بقى فيه حياة من غيره، شاف صوري وأنا بشتغل، وشاف نضوجي اللي مكنش يعرفه.
بصلي وقال بدموع: "أنا خسړت كل حاجة.. خسرتك أنتِ، وخسړت نفسي".
رديت عليه بصوت هادي: "خسړت اللي أنت اخترته يا سامي، مش اللي أنا كنت عليه".
سكت شوية، ورجعت قولتله: "أنا فتحتلك الباب مش عشان نصلح اللي اتكسر، ده خلاص بقى أثر في الحيطة. أنا فتحته عشان أقولك إن مروة اللي سيبتها، ماټت من زمان، والست اللي واقفة قدامك دي، مفيش فيها مكان ليك. روح يا سامي، كمل طريقك لوحدك، زي ما اخترت يوم ما مشيت. أنا لقيت نفسي لما فقدتك، ومش ناوية أخسر نفسي تاني عشان خاطر ذكريات مبقتش توجعني".
مشيت وسبته في الصالون، ودخلت غرفتي، قفلت الباب ورايا، وسمعت صوت خروجه من البيت.. صوت خطواته كانت بتأكد لي إن الباب اللي اتقفل ده، كان أجدع حاجة عملتها في حياتي. قعدت على مكتبي، كملت شغلي، وأنا حاسة بسلام، لأول مرة، مفيش "سامي" في عقلي، مفيش "خسارة" في قلبي، فيه بس "مروة"

 اللي أنا فخورة

 إني بقيتها.

تمت