يوم مـا طفح الكيل.. بقلم منــال عـلـي

"قوموا دلوقتي واطلعوا بره شقتي!"

نورهان قالت الجملة لجوزها وحماتها، وهي بتنطق كل كلمة كأنها شاكوش بينزل على دماغهم.
"اخرجوا بره.. وخدوا معاكم.. الست دي!"

نورهان ضغطت على صوابعها على صدغها، وهي بتحاول تهدي الصداع اللي بيقرّص دماغها. اليوم كان مرهق: تلات جلسات مع مراهقين مستحيل تفهمهم، وجلسة مع أهالي مقتنعين إن ابنهم هو "محور الكون". شغلها كأخصائية نفسية مدرسية كان بيسحب كل طاقتها، كأنهم بيمصوا روحها بالمعلقة واحدة واحدة.

بس رغم كده، كانت بتحب التعب ده. التعب "نضيف"، تعب صادق. تشتغلي بجد، فحقك تتعب. بقلم منــال عـلـي 

بس اللي مستنيها في البيت كان عكس كده خالص.

صوت المفتاح وهو بيلف في القفل جاب لها كتمة في القلب. الشقة — اللي أبوها سلمها ليها — مبقتش تحس فيها بالأمان.

الممر كله ريحة لحمة مقلية وبصل مقلي، وريحة عطر رخيص ثقيل.. ريحة حد غريب متوفره على روايات واقتباسات 

نورهان خلعت جزمتها بهدوء، وهي بتتفادى "كوتشي" رجالي مقاس 43، جنب فردة كعب عالي مطرحة كأنها قطعة شطرنج خسرانة.

"عصام؟" نادت، وهي عارفة الرد.

ضحكة عالية جاية من المطبخ — خشنة ومزعجة، ووراها ضحكة ست مسرسعة.

نورهان دخلت ووقفت مكانها.

قدامها كان قاعد جوزها عصام، ممدد على كرسيها المفضل وكأنه هو صاحب المكان، ورافع رجله على التربيزة اللي جنبه. السفرة كانت کاړثة: عضم فراخ، بقع صلصة ودهون على المفرش الكروشيه اللي نورهان كانت سهرت عليه أيام الجامعة، وزجاجات مياه غازية فاضية على كل حتة. وقصاده، قاعدة أخت عصام هبة.

"بصوا مين نورنا.. الهانم وصلت!" هبة قالتها وهي بتنهش في ورك فرخة، وبتلوح بإيدها المزينة بأظافر أكريليك طويلة. "قلنا نيجي نتغدى سوا. عصام النهاردة واخد أجازة، وأنا مكنش عندي حاجة، فقلت أجي أطل على أخويا حبيبي."

عصام اتلفت بكسل، وشه متعب ولامع من الشغل في المقاولات.
"أهلاً يا نورهان. هبة جات تشقر علينا… بنقضي وقت عائلي."

نورهان مردتش. عينيها كانت على كومة المواعين اللي مليت الحوض.

"الوقت العائلي ده بيحتاج استئذان يا عصام،" قالت بهدوء وهو بيغلي جوه قلبها. "وبيحتاج ناس تعرف تنظف ورا نفسها."

"أدينا بدأنا النكد.." هبة نفخت بملل، وامسحت إيدها في فوطة المطبخ النظيفة بتاعة نورهان. نورهان ارتجفت من الاشمئزاز.
"إنتِ مش دكتورة نفسية؟ المفروض تعرفي ظروف الناس. إحنا كنا بنفك عن نفسنا. عصام شقيان ومحتاج يفك ضغطه.".   بقلم منــال عـلـي 

عصام اتنهد بفخر. كان دايمًا بيحب يتباهى بذكاءه في "الهروب" من الشغل.

"النهاردة نمت في الكابينة 5 ساعات والموتور شغال،" قال بفخر. "البنزين محسوب والساعات بتتحسب والفلوس جاية. المشرف بيصوت والأسفلت بيبرد وأنا؟ ماشي بتعليمات السلامة. ضغطي كان هيعلى والدكاترة قالوا راحة، فأريح. كده تعيشوا صح يا نورهان.. مش زيكِ، بټموتي في شوية عيال."

نورهان شدّت على شفايفها.

من ساعة ما أبوها سلمها مفاتيح الشقة، عصام اتغير. في الأول حاجات بسيطة: بطل يشارك في مصاريف البيت. بعدها بدأ يلمّح على أبوها. ودلوقتي الموضوع وصل لكده.

نورهان دايمًا كانت بتحاول تحل المشاكل بالكلام والتحليل والتسوية. كانت بتحب عصام — أو النسخة اللي هي رسمتها في خيالها. بس الراجل اللي قدامها دلوقتي، بيمسح دهن وشه بإيده، بقى أبعد ما يكون عن أي "بطل".

الأمور مبقتش تتدهور يوم بيوم.. لا، ساعة بساعة.

هبة مبقتش تيجي "تزور".
بقت تبات في الشقة.

"المترو مقفول والتاكسي غالي.. هرمي على الكنبة في الصالة، مش هتحسي بيا."