صفقـة الـعمر... بقلم منــال عـلـي


آسفة.
الرسائل مكتوبة بخط مرتب، مؤرخة على مدار سنين. بتحكي قصة منى ماكنتش متوقعتها.
الوحدة كانت ملك ست اسمها الحاجة نوال حسن.
أرملة. أم. جدة.
الحاجة نوال فقدت جوزها الأول. بعدين بنتها في حاډث سيارة. وبعد كده مشاكل الحضانة، فواتير طبية، مصاريف قانونية. في النهاية فقدت بيتها.
نقلت حاجاتها لوحدة التخزين، كيس وراء كيس، وهي بتحاول تحافظ على كرامتها قد ما تقدر.
في آخر رسالة، كتبت الحاجة نوال
ماكنتش عايزة ناس غريبة تتلاعب بحاجتي وتضحك على حياتي. علشان كده حزمت كل حاجة بنفسي. بعناية. كأنها مهمة. لأنها فعلاً مهمة.
منى غطّت باظنها على بقهها.
رسالة تانية شرحت الجرة رماد بنت الحاجة نوال. كانت خاېفة يترمي لو ماقدرتش تتابع المدفوعات.
آخر رسالة كانت مؤرخة قبل تلات شهور.
لو حد طيب لاقى ده، من فضلك ما تفصلناش. أنا تعبت جدًا.
منى قعدت على أرض الخرسانة وابتدت ټعيط.
الليل ده، منى ماقدرتش تنام. الرسائل كانت بتطاردها. الاهتمام. الوحدة. الكرامة الهادية لشخص بيختفي من غير ما حد يلاحظه.
الصبح، اتصلت بالرقم اللي تحت الرسالة.
رن أربع مرات قبل ما حد يرد.
ألو؟
قالت منى بصوت واطي اسمي منى أعتقد إني لاقيت حاجات جدتك.
سكون.
بعدها شهيق حاد جدتي الحاجة نوال؟
أيوة.
يا ربي كنا بندور عليها.
الحاجة نوال ماټت في مستشفى محافظة قبل ست أسابيع، لوحدها، ومسجلة من غير أي قريب.
حفيدها أحمد حسن كان في الخدمة العسكرية بره البلاد. لما رجع، الحاجة نوال راحت وكمان حاجاتها.
قال أحمد بصوت متقطع قالولي كل حاجة متروكة. كنت فاكر فاكر إنها مش عايزانا.
منى قفلت عنيها.
هي عايزتكوا، قالت بثبات. بس ماكنتش عايزة تكون عبء.
اتقابلوا بعد تلات أيام في وحدة التخزين.
وقف أحمد متجمد ومنى فتحت الباب.
هي احتفظت بكل حاجة حتى رسوماتي من الروضة، همس.
رفع الجرة بحذر، والدموع نازلة على وشه.
هي حمت ماما، همس. حتى للنهاية.
منى سلمته الرسائل.
ماكنتش عارفة أعمل إيه غير كده، قالت. ماكنش حلو أبيع أي حاجة.
أحمد بص ليها وعيونه حمرا.
ما بعتش حاجة؟
هزت راسها ماكنتش قادرة.
ضغط كفوفه ببعض، ما عندكش فكرة ده يعني إيه.
أحمد أصر يدفع لمنى مش بس تمن المزاد، لكن أكتر بكتير.
هي رفضت.
ماكنتش شاريه ده عشان أربح، قالت. شاريه عشان كنت يائسة. بس اتضح ماكنتش أكتر واحدة يأسًا في القاعة.
اتكلموا ساعات عن الحاجة نوال، عن ولاد منى، وعن قد إيه الناس ممكن تختفي في العلن بسرعة.
قبل ما يمشي، أحمد سأل بهدوء ممكن أعمل لك حاجة؟
منى ترددت. الكبرياء قالت لا. الواقع قال غير كده ممكن تساعدني في الإيجار؟ بس للشهر ده.
أحمد هزّ راسه تمام.
أسبوع بعد كده، منى لقت ظرف متلصق على بابها.
جوه شيك يغطي ست شهور إيجار، بقالة، وأدوية ابنها، مع مرفق ورقة
رجعتي جدتي . من فضلك خليني أديك شوية راحة كمان.
منى استخدمت الأكياس الباقية تعمل حاجة كانت هتعجب الحاجة نوال.
تبرعت بالهدوم لمأوى نساء، الكتب لمكتبة، ولعب الأطفال لمركز رعاية.
فظلت تحتفظ بحاجة واحدة.
صورة صغيرة للحاجة نوال وبنتها، بيضحكوا في مطبخ مليان شمس.
حطتها على التسريحة.
مرّت شهور، ووضع منى اتحسن شوية شوية. خدت ورديات زيادة. أحمد ساعدها تتواصل مع منظمة دعم قدامى المحاربين اللي بتوفر رعاية للأطفال.
بعد الظهر، راحت منى مع ولادها لمزاد وحدات تخزين تاني مش عشان تزايد، بس عشان تتطوع. وزعوا مياه ونشرات برامج مساعدة محلية.
بنتها شدّت كُمها ماما ليه الناس بتحط حياتهم في صناديق؟
منى ركعت جنبها ساعات، قالت بلطف، علشان بيحاولوا يحافظوا عليها.
بعد سنة، منى لقت دعوة.
خدمة تذكارية صغيرة للحاجة نوال.
وقفت في الخلف لما أحمد اتكلم جدتي كانت مؤمنة إن الكرامة مهمة، حتى لما محدش بيبص.
وقف، وعيونه لقت منى وسط الناس كانت مؤمنة إن الطيبة هترجع للناس.
منى بصت على إيديها، فاكرة أكياس القمامة، الرسائل، الجرة.
اللي كانت فاكراه قمامة كان قصة مستنية حد يشوفها.
وبشراء وحدة مليانة حاجات متروكة، منى عن غير قصد أنقذت حياة 
ولقت طريقها في الحياة من جديد.
ساعات،
أعظم الكنوز مش مخبية في خزائن أو صناديق.
مخبية في اللي العالم بيقرر يرميه.