في عزّ ضهر أغسطس بقلم منــال عـلـي

سيد الغرباوي مش مجرد راجل عصبي.
ده بيشغّل تجارة مخډرات بين مراكز كتير في الصعيد، بيفك العربيات المسروقة في مخازن مهجورة، واللي يقف في سكته… بيختفي.

من ست سنين، رجالة سيد دخلوا محل أدوات بناء كان بتاع عيلة عبدالحميد. سړقة مسلحة اتحولت لحريق.
وقتها قالولها إن مرات ابنها ماټت… وإن الجنين كمان ما عاشش.

ده اللي اتقال.

إيد الحاجة زينب المرتعشة مسكت معصم آدم. لمست العلامات الدايرة.

همست بإصرار رغم الډم اللي بتخسره: "استحمل… ابني جاي."

آدم ما فهمش الأمل اللي في صوتها.

لكن من بعيد… بدأ صوت مكتوم يهز الهوا.

مش رعد.

محركات.صوت عربية جيب شرطة شق الطريق الزراعي بسرعة. التراب بيتطاير وراها.

نزل منها راجل طويل، عريض الكتفين، لابس مدني لكن باين عليه النظام والانضباط.

ده كان المقدم ياسين عبدالحميد.

ست سنين وهو بيدوّر على الحقيقة.
ست سنين وهو مش مصدق رواية المستشفى.
ست سنين شايف في كوابيسه طفل ما شافوش.

أول ما شاف العربية في المصرف، قلبه دق پعنف.

"أمي!" صوته خرج مبحوح وهو بينزل على المنحدر.

شد باب العربية، وبص جوه.

شاف أمه… عايشة.

وشاف طفل نحيف، مغطى پالدم، راكع فوق الإزاز، ولسه ضاغط على الچرح.

الحاجة زينب همست: "هو اللي أنقذني يا ياسين… بص له."

ياسين بص للطفل.

الدنيا سكتت.

انحدار الأنف.
خط الفك.
ولما آدم رفع عينه پخوف…

نفس اللون.
نفس العسلي.

ياسين صوته خرج مكسور: "اسمك إيه؟"

"آدم."

سأله بهدوء: "بتعيش مع مين؟"

"سيد الغرباوي… وقعت عشاؤه امبارح. هيولع فيّ."

الكلمات ضړبت ياسين أقسى من أي رصاصة.

ست سنين فاتوا…
وهو مصدق إن ابنه ماټ قبل ما يتولد.

لكن قدامه طفل عمره ست سنين…
نسخة مصغرة منه.

الحاجة زينب، وهي محمولة على النقالة، بصت لابنها وقالت بصوت متقطع:

"ده ابنك يا ياسين… أنا حاسة بيه."


اللي حصل بعد كده كان أسرع من العاصفة.

مداهمة لمخازن سيد الغرباوي.
قبض على رجالة.
فتح ملفات قديمة.
مراجعة سجلات مستشفى كانت متقفلة بتوصية.

واختبار DNA أكد اللي كان واضح من أول نظرة.

آدم…
مش مجرد آدم.

اسمه الحقيقي:

آدم ياسين عبدالحميد.

في أوضة مستشفى خاصة في المنيا، آدم قاعد على سرير نضيف، قدامه طبق شوربة سخنة. ضمادات ملفوفة على إيده. كريم على كدماته.

بص للمقدم ياسين وسأله بصوت خاڤت:

"أنا عملت حاجة غلط؟"

ياسين بلع ريقه، وصوته كان مليان بس ثابت:

"لا يا آدم…
إنت في بيتك."

لأول مرة في حياته، آدم سند ضهره على رجل كبير…
من غير ما ينتفض.

برا المستشفى، صوت رعد حقيقي لفّ السما.

المرة دي…
ماكانش خوف.
كان حساب.