رمــاني باللـوم إنـي سقـط إبنـي، وإتهمـني إنـي بغـير مـن أخـته الحـامل.. في اللـيلة دي هربـت...

ممرضة الطوارئ في مستشفى حكومي بوسط البلد مسألتنيش أنا جاية لوحدي ليه الساعة 2 الصبح.. هي نظرة واحدة منها للكدمات اللي في جسمي، والدم اللي نشف على هدومي، وإيديا اللي بتترعش، خلتها توطي صوتها من غير شفقة مصطنعة متوفره على صفحه روايات واقتباسات قالتلي: "إحنا جنبك، مټخافيش.. تمام؟"
كان نفسي أحكي لها كل حاجة، بس الصدمة مش بتطلع في جمل مترتبة، الصدمة بتتسرب من العين.. قلت لها: "وقعت"، لأن ده اللي جسمي اتعود يقوله عشان يحمي نفسه.
مجادلتنيش، بس علمت علامة معينة في الدفتر اللي معاها، وخرجت ورجعت ومعاها واحدة لابسة كارت مكتوب عليه "دعم قانوني".
الست دي كان اسمها "مدام ميرفت"، وقالتلي بهدوء: "أنا هنا عشان نأمنك.. مش لازم تقرري أي حاجة الليلة، بس لازم تعرفي إن ليكي خيارات."
خيارات؟ الكلمة كانت غريبة على وداني.. أول مرة أحس إن ليا حق الاختيار.
ميرفت رتبت لي مكان في دار استضافة تبع برنامج حماية المرأة، وساعدتني أتصل بمكتب مساعدة قانونية، وفكرتني أول حاجة أعملها إني أقفل خاصية "تحديد الموقع" في موبايلي. ولما انهرت في الآخر — بدموع ساكتة ورعشة في كل حتة — مسابيتنيش وجريت، فضلت قاعدة جنبي لحد ما هديت.
تاني يوم الصبح، عملت المحضر.
جاسر اتصل بيا 37 مرة.. وبعدها أمه "ستوتة" بعتت رسالة: "هتندمي على الڤضيحة اللي عملتيها للعيلة".. نورا أخته بعتت رسالة واحدة: "مكنتش عارفة أعمل إيه"، وبعدها سكتت خالص، ڠرقت في ولائها لأهلها وخۏفها منهم.
في خلال أسبوع، كان معايا حكم "عدم تعرض" مؤقت. ميرفت هي اللي وصلتني الجلسة لأن إيديا مكنتش قادرة تمسك الدريكسيون من الرعشة. جاسر جه بقميص مكوي ووشه "مشدود"، وكلم القاضي بكل ثقة وكأن الموضوع مجرد سوء تفاهم بسيط.
كان نفسي أصرخ وأقول: "كداب!"، بس صوتي كان محپوس في زوري.
وبعدين حصلت المعجزة من أكتر حد مكنتش أتوقعه: جارتي.
ست طيبة اسمها "أم السعد" جابت "فلاشة" لمكتب المحامية بتاعتي. كاميرا المراقبة اللي مركباها في البلكونة سجلت كل حاجة بالصوت من ورا الحيطان الضعيفة بتاع بيتنا في الليلة دي: الزعيق، الشتائم، وتوسلاتي وأنا بتهان. الفيديو مكنش مبين الحمام، بس الصوت كان كفاية إنه يهد قناع "الرجل المحترم" اللي جاسر لابسه ويوريهم وشّه الحقيقي البشع متوفره على صفحه روايات واقتباسات محاميتي، "أستاذة برييهان"، مابتسمتش وهي بتسمع التسجيل، بالعكس، نظرتها بقت حديد.
قالتلي: "التسجيل ده هو اللي هيخلص كل حاجة.. وهنستخدمه صح."
الطلاق خد شهور، وإجراءات الأمان خدت وقت أطول.
نقلت "إسكندرية"، أجرت شقة باسمي القديم قبل الجواز — "إيمان سالم" — واشتغلت في مركز تأهيل طبيعي، وبقيت أتعامل مع حالات ستات بيتعافوا من إصابات "محدش بيحكي عنها". رحت لدكتور نفسي، واتعلمت إزاي أنام من غير ما أتفزع من أي صوت، اتعلمت إزاي أتنفس من غير ما أطلب إذن حد.
فات سنتين..
في يوم سبت من أيام الربيع في إسكندرية، كنت خارجة من المركز وبقفل شنطتي، وبفكر هتعشى إيه.. فجأة سمعت صوت كان زمان بيخليني أترعش، بس المرة دي خلاني أقف مكاني زي الجبل.
"إيمان؟"
لفت ببطء.. كان جاسر. واقف ساند ظهره على عربيته، لابس نضارة شمس براند، ورسمة الوش الواثقة اللي بتخبي وراها غل ملوش آخر. أول ما شافني، نزل النضارة ببطء وابتسم ابتسامة صفرا، كأنه "قفش" حاجة كانت ملكه وهربت.