صورة مزعجة لفتاة صغيرة تتخذ وضعية تصوير مع دميتها، التُقطت قبل أكثر من قرن ...

لكن ريم كانت خلاص خدت قرارها: «بلاش أوهام يا مريم، خيالك واسع بزيادة. صورة زي دي لازم تتحفظ وتتقدر، مش تفضل مركونة في محل مليان تراب.»

​وبعد جدال طويل متوفره على صفحه روايات واقتباسات ومريم عمالة ترسم سيناريوهات عن عرايس ملعۏنة وأرواح قديمة، ريم قدرت تقنعها إنها بتبالغ. اشترت الصورة ولفّتها في ورق ناعم، وأول ما وصلت شقتها، بدأت تفحصها بكل تركيز.

​الصورة كانت حالتها ممتازة رغم سنها، والواضح إن الاستوديو كان محترف جداً، ولبس البنت بيقول إنها من عيلة غنية. وعشان توصل لأصل الحكاية، ريم عرفت إنها محتاجة حد تقيل، ومكنش فيه غيره: والدها.

عبد الرحمن البارودي، مؤرخ وأرشيفجي كبير، قضى أربعين سنة من عمره بيدرس تاريخ التصوير في أمريكا. مكتبه في البيت كان عبارة عن متحف مصغر، مليان أجهزة تكبير وأضواء فوق بنفسجية وخزنات أوراق تاريخية.

​استقبلها بابتسامة وهو شايفها شايلة الصورة بحرص:

«يا ترى إيه الكنز اللي وقعتي عليه المرة دي يا حبيبتي؟»

​ريم قالت بفرحة:

«صورة من العصر الفيكتوري سحرتني من أول نظرة، حاسة إن وراها سر يا بابا.»

​عبد الرحمن عدل نظارته وبدأ يشوف الصورة. في الأول كانت نظرته عادية، نظرة خبير شاف آلاف الصور زيها، وقال:

«تكوين هايل.. استوديو محترف، غالباً من بدايات القرن العشرين، باين من ستايل الفستان.»

​وفجأة.. سكت. ملامحه اتغيرت وبدأ يدقق بحدة.

همس بذهول: «غريبة جداً..»

وبعد فحص طويل، قال بقلق: «أنا محتاج رأي تاني، فيه حاجة في الصورة دي مش منطقية.»

​بعد أقل من ساعة، كانت البروفيسورة جريس وصلت، وأول ما شافت الصورة شهقت:

«يا ساتر يا رب.. يا إلهي!»

عبد الرحمن سألها بلهفة: «إنتي كمان شايفة اللي أنا شايفه؟»

ردت: «الوش.. وش الدمية.. ده نسخة طبق الأصل!»

​وبدأت توضح لريم المذهولة: «الدمية شايلة ملامح البنت بالظبط، بكل تفصيلة صغيرة في وشها.»

​وبعد بحث مكثف في السجلات، وصلوا لقصة "إيزابيلا بومونت"، البنت اللي اختفت سنة 1896 وبعدين لقوها. الحقيقة كانت إن الدمية دي اتصنعت كـ "ڼصب تذكاري" لما الأم افتكرت إن بنتها ماټت، فصممت دمية بملامحها عشان تفضل معاها.

​في اللحظة دي، ريم فهمت الحقيقة:

الصورة مكنتش مرعبة..

دي كانت شاهد مؤلم وحزين على الحب، وعلى الړعب من الفقد، وعلى محاولة البشر اليائسة إنهم يخلوا البراءة تعيش للأبد.

​ريم قالت بهدوء وهي بتبص للصورة بنظرة تانية خالص:

«العروسة مكنتش ملعۏنة يا مريم.. العروسة كانت رسالة حب.»