ثلاث قطرات

كانت سارة عارفة النبرة دي كويس حفظتها من قبل ما رجلها تخطي عتبة دار منصور الزيات. هي نفس النبرة اللي بيستعملها الرجالة لما يطلبوا طاعة عمياء من غير شهود ولا أسئلة.
أول مرة سارة حست إن البيت ده ليه ودان وبيتصنت عليها كان الوقت فات وما بقاش ينفع تمثل إنها مش فاهمة.
الليل كان تقيل كاتم على نفس جدران السرايا القديمة وريحة أرض الغيط المبلولة مع صوت صرار الليل ماليين المكان. وناسة أوضة الأطفال كان ضيها بيترعش كل ما خشب الأرضية يزيق.
قعدت سارة من غير حركة جنب السرير الهزاز صوابعها ضاغطة على معلقة فضة وعينها على صدر المولود وهو بيعلى ويهبط بنفاس مكتومة ومش مظبوطة.
تلات نقط ده كان أمر منصور الزيات.
قالها في أول السهرة بصوت ناعم فيه حنية تخوف يا دوب يهدوه.. مش هيأذوه.
سارة كانت عارفة النبرة دي.. نبرة الراجل اللي بيأمر بذنب وهو مطمن.
ميلت القزازة الزرقا الصغيرة لحد ما السائل اتجمع عند فوهتها. سائل غامق لزج لونه يميل للسواد تحت ضوء الوناسة. كان المنوم ده ليه ريحة ما تتنسيش.. ريحة حلوة ومرة وتحس فيها بريحة الغلط. ترددت ثانية واحدة كانت كفاية إنها تحس إن البيت كله بيميل ناحيتها ومستنيها تغلط.
نزلت النقط.
الطفل هدي وجفونه اترعشت كأنه بيغرق تحت المية. سارة رجعت المعلقة مكانها وإيدها كانت بتترعش لدرجة إنها اتسندت على طرف السرير عشان ما تقعش متوفره على صفحه روايات واقتباسات لو الواد ده جرى له حاجة حبل المشنقة مستنيها.
ولو عاش وفضل يترعشلو بانت عليه علامات المړضمنصور مش هيسيبها تعيش وتتكلم.
ده كان الاتفاق اللي هي ما وافقتش عليه أبدا الاتفاق اللي اتختم يوم ما منصور باع ابنها لتاجر غريب مسافر لبلاد بعيدة. طفل بيعيط استبدله بكيس فلوس ووعد بالسكوت.
الطفل اللي في السرير ده ما كانش ابنها.
بس كل نفس بيطلعه كان بيجرح ضلوعها كأنه حياة مستلفة بتتحاسب عليها.
فضلت صاحية لحد الفجر بتعد أنفاسه وتراقب أي حركة غريبة. ولما الصبح شقشق كان الطفل نايم في سلام وملامحه بريئة وهادية.
منصور كان مبسوط.. مبسوط زيادة عن اللزوم.
وقف على الباب بعبايته وعينه فيها لمعة نصر تخوف وقال
شوفتي الموضوع بسيط. إنتي اللي بتقلقي بزيادة يا سارة.
نزلت عينها في الأرض. هي عارفة إن القلق في البيت ده ما عمره أنقذ حد.
السر المدفون
خلال الأيام اللي بعد كدة كل حاجة بقت واضحة. القزازة ما بتظهرش غير بالليل ومنصور هو اللي بيجيبها بنفسه ما بيثقش في أي يد غير إيده.
ما كانش بيقعد يراقب ولا بيسأل الصبح عملتي إيه كان بيكتفي بنظرة هدوء الطفل وعدم وجود رعشة في جسمه.
بس سارة لاحظت حاجات تانية.
إيدين منصور كانت بتترعش لما بيفتكر إن ماحدش شايفه.
وكان بيختفي بعد العشا يقفل على نفسه المكتب لحد نص الليل. ولما يخرج تخرج