وأنا واقفة قدام بوابة المدرسة واحدة من الأمهات قربت مني وهمست في ودني

​لما الجرس رن، طفل صغير جري عليه وهو پيصرخ بفرحة: «بابا!».. نده عليه بثقة الأطفال اللي مبيعرفوش يمثلوا.

​مشوا مع بعض، وإيد الراجل على كتف الولد بحنية وحماية. مشيت وراهم من بعيد لحد ما ركبوا عربية زرقاء، حفظت نمرتها وصدرى مقبوض پخوف مش فاهماه.

​بالليل كلمت المدرسة، سألت عن نظام الاستلام، الموظفة طمنتني إن كل الأوراق سليمة. سألتها: «فيه حد عندكم باسم سامر؟»

قالتلي: «فيه "سامر ريد"، بس ده مش ولي أمر هنا.»

​الأوضة لفت بيا.. الاسم مش نادر، بس الصدفة كانت غريبة لدرجة تقلق.

​تاني يوم، أخدت أجازة ووقفت استناه تاني. المرة دي قربت منه وأنا عاملة نفسي مشغولة بالموبايل. عن قرب، الاختلافات بانت: عينيه أغمق، وفكه أعرض شوية.. بس الشبه كان "مقصود"، كأنه راسم نفسه عليه!

​لما لاحظ إني براقبه، ابتسم بأدب: «أقدر أساعدك؟»

صوته مكنش صوت سامح.. ارتياح وخوف خبطوا في بعض جوه قلبي.

قلتله: «آسفة.. فكرتني بحد أعرفه.» هبط راسه بهدوء وقال: «فاهمك.»

​تبعته لحد مجمع سكني، وقفت بعيد وكلمت سامح. رد وهو نايم: «فيه إيه؟» حكيتله كل حاجة: الصورة، المدرسة، الشبه، الاسم.

​سكت شوية، وبعدين اتنهد تنهيدة تقيلة: «مكنتش عايزك تعرفي كدة.»

قلبي وقع: «أعرف إيه؟»

قال: «ليّا أخ غير شقيق من الأب.. فقدنا الاتصال بيه من سنين. اسمه "مجدي".»

القطع بدأت تتركب، بس الصورة لسه مش كاملة: «ليه يكون هنا؟ وليه بيقلد شكلك بالظبط؟»

رد سامح بصوت واطي: «لأن مجدي عمل كدة قبل كدة.. عنده تاريخ في إنه "يتبنى" عائلات مش بتاعته، يتظاهر إنه شخص تاني ويختفي قبل ما حد يكشفه.»

​الصبح رحت المدرسة وحكيت للإدارة كل حاجة. المرة دي اهتموا جداً، وراجعوا الملفات.

ملف الطفل كان باسم "ماجد رؤوف"، والأب "مجدي"، وكل الأوراق قانونية.. بس لاحظت إن اسم الأم اتغير مرتين في سنتين!

​نهاية الأسبوع، الشرطة تدخلت بهدوء. كنت مراقبة من بعيد لما الضباط وقفوا مجدي. ملامحه اتغيرت من الحيرة للبرودة التامة. والولد واقف جنبه ماسك في إيده، وعينيه بتلف بزهول.

​هنا فهمت.. الموضوع مش مجرد شبه، دي حكاية عن إزاي الثقة بتتبني بسهولة وتتسرق بدم بارد.

​التحقيق كشف المستور.. لقوا الأم الحقيقية، "لينا عبد الله"، اللي بلغت عن خطڤ ابنها من سنة ونصف في محافظة تانية، ومحدش صدقها وقتها لأن أوراقها مكنتش كاملة. مجدي استغل ضعفها، سيطر على حياتها وفلوسها، وفي لحظة خد الولد واختفى.

​مجدي مأذاش الولد جسدياً، بالعكس، كان الأب المثالي في نظر المدرسة والمجتمع.. وده المرعب في الموضوع.

​لما الأم وصلت المدرسة، شفتها وهي بتترمي على ركبها لما شافت ابنها.. صړختها وهي بتنادي عليه كانت حقيقية لدرجة توجع القلب. ومجدي اتأخد في صمت، بصلي ببرود كأنه بيحسب خطوته الجاية.

​الحياة رجعت لطبيعتها، بوابات المدرسة، وكلام الأمهات.. بس أنا مابقتش أبص زي الأول. سامح جه واعتذر، وقفلنا صفحة الماضي.

​أوقات بفكر.. كان ممكن أضحك وأعدي الموقف.. لولا صورة واحدة غيرت مصير طفل. كم حكاية بتعدي من قدامنا وإحنا مش شايفينها عشان "شكلها طبيعي"؟

​المدرسة غيرت نظام الأمن، والآباء اشتكوا من الزحمة، وأنا كنت واقفة ومستحملة بابتسامة.. لأني عارفة إن "الانتباه" مش خوف، ده أمان.

​فيه قصص مابتخلصش بضجة، بتخلص بـ "وعي" بينتقل بهدوء، زي همسة نهى ليا في يوم مش هنساه.