دف القلوب في مساء ممطر


الصغرى دفنت الفتاة وجهها في كتف إميلي.
همست روز
لا أريد الرحيل.
أغمضت إميلي عينيها وقالت
عليك أن تذهبي. هذه فرصة لحياة حقيقية. لكن اسمعنني جميعا
نظرت إليهن وعيناها تلمعان
أينما تذهبن سيبقى لكم بيت في قلبي. دائما.
بكت الفتيات وتظاهرت إميلي بالقوة.
ثم رحلن.
ومضت اثنتا عشرة سنة.
أصبح المطعم أكثر هدوءا مع تقدم أهل البلدة في العمر. عملت إميلي أكثر وربحت أقل. لم يكن لها أطفال ولا زوج ولا أحد يعود إليها في المساء. ومع ذلك لم ټندم يوما على ما فعلته. ولم تكن لتختار غيره وفي إحدى الأمسيات الثلجية عادت إلى شقتها الصغيرة وجلست مع كوب من الشاي حين سمعت صوت محرك عميق في الخارج. انعكست الأضواء على نافذتها.
توقفت سيارة سوداء رباعية الدفع أمام بابها إنقبض قلبها الدكتور وبعد لحظات دوى طرق على الباب.
ترددت إميلي ثم فتحته.
كانت هناك أربع نساء ناضجات معاطف أنيقة وقفة واثقة وعيون ممتلئة بالدفء والدموع.
تكلمت غريس أولا بصوت مرتجف
أمي.
تجمدت إميلي في مكانها.
تقدمت روز وقد أصبحت طويلة ومشرقة وقالت بابتسامة واسعة
لقد وجدناك.
ارتفعت يدا إميلي إلى فمها واڼهارت ركبتيها فأسرعت الفتيات إلى إمساكها.
ضحكت ليلي وسط دموعها
وعدناك بأن نعود وقد فعلنا.
فتحت إيما باب السيارة وكان بداخلها صناديق وحقائب.
همست
لقد عدنا إلى البيت.
وللمرة الأولى منذ سنوات سمحت إميلي لنفسها بالبكاء.
لكن المفاجأة الكبرى لم تكن قد كشفت بعد.
أخرجت غريس وثيقة مختومة من معطفها وقدمتها لإميلي
أمي لم نأت للزيارة فقط. جئنا لنعيد لك شيئا.
ارتجفت يدا إميلي وهي تأخذ الظرف. ساعدتها الفتيات على الجلوس. نظرت إلى وجوههن مألوفة لكنها تغيرت أقوى أنضج.
قالت ليلي برفق
افتحيه.
فتحت إميلي الظرف بحذر. في داخله كانت هناك أوراق قانونية. تصفحت الصفحة الأولى وارتفع حاجباها دهشة.
ابتسمت إيما وسط دموعها
اشترينا المطعم يا أمي.
شهقت إميلي.
أومأت غريس
كان مطعم هاربر يعاني منذ سنوات. وكان صاحبه يخطط لبيعه لسلسلة تجارية ستهدمه. فتدخلنا قبل ذلك.
وأضافت ليلي وهي تضع ورقة أخرى فوق الأولى
وهذه تجعلك الشريكة المديرة. ستحصلين الآن على راتب حقيقي لا فتات. أنت تستحقين الاستقرار.
حدقت إميلي فيهن عاجزة عن الكلام.
أمسكت روز بيديها وقالت
أنت لم تطعمينا فقط. أنت أعدت لنا حياتنا. دخلنا الجامعة لأنك حافظت على صحتنا. حصلنا على وظائف لأننا آمنا بأنفسنا لأنك آمنت بنا أولا. كل ما نحن عليه ندين به لك.
انسابت دموع إميلي بحرية.
وأكملت الفتيات حديثهن
أصبحت غريس معلمة وليلي ممرضة معتمدة وإيما مصممة جرافيك أما روز الصغرى فقد أصبحت محامية وهي من تولت الإجراءات القانونية لشراء المطعم.
همست إميلي بصوت مكسور
يا فتيات لم أفعل سوى ما يفعله أي قلب.
أجابتها غريس بلطف
بل فعلت ما لا تفعله معظم القلوب.
تعانقن جميعا طويلا.
وبعد أسابيع أعيد افتتاح مطعم هاربر بإدارة جديدة.
وكانت اللافتة في الخارج تقول
مطعم هاربر بيت العائلة
لم يأت الناس من أجل الطعام فحسب بل من أجل قصة النادلة التي أصبحت أما والأيتام الذين عادوا إلى بيتهم.
وجدت إميلي الفرح من جديد. عاد الضحك يملأ المطبخ والدفء كل مقعد. كانت الفتيات يزرنها باستمرار وعادت روز لتعيش في البلدة. وازدهر المطعم.
وفي إحدى الأمسيات الهادئة وقفت إميلي عند صندوق الحسابات تراقب
الأخوات وهن يتحدثن ويساعدن في تنظيف الطاولات تماما كما كن يفعلن في طفولتهن.
التقت عيناها بعيني غريس فابتسمت وقالت
ألم نقل لك إننا سنعود دائما
وضعت إميلي يدها على قلبها وهمست
نعم لقد عدتن.
وللمرة الأولى منذ زمن طويل
عرفت أن حياتها كانت
تستحق كل تضحية.
تمت