دف القلوب في مساء ممطر

على مدى ما يقارب عقدا من الزمن كانت نادلة في بلدة صغيرة تدفع ثمن وجبات أربع فتيات يتيمات في صمت تام دون أن تطلب شيئا في المقابل.
لكن في إحدى الأمسيات الثلجية وبعد اثني عشر عاما توقفت سيارة سوداء رباعية الدفع أمام باب منزلها
كانت إميلي باركر تعمل في مطعم مطعم هاربر منذ أن بلغت التاسعة عشرة من عمرها. كان الأجر ضئيلا وساعات العمل طويلة لكنها أحبت المكان بكل تفاصيله رنين الجرس عند المدخل ورائحة القهوة الطازجة والطريقة التي كان أهل البلدة يجتمعون بها كل صباح كأنهم عائلة واحدة.
في إحدى الأمسيات الماطرة قبل سنوات طويلة رأت الفتيات لأول مرة. أربع طفلات صغيرات مبتلات حتى العظم يجلسن خارج نافذة المطعم. كن يتشاركن بطانية قديمة ملابسهن خفيفة وشعورهن غير مرتبة. خرجت إميلي إليهن ببطء.
قالت بلطف
هل أنتن جائعات
هزت الكبرى التي لم يتجاوز عمرها الثامنة تقريبا رأسها دون أن تنطق بكلمة.
في ذلك اليوم قدمت لهن إميلي شطائر الجبن المشوي وحساء ساخنا ومنذ ذلك اليوم لم تتوقف عن إطعامهن.
بعد انتهاء الدوام المدرسي كانت الأخوات الأربع غريس ليلي إيما وروز يأتين يوميا إلى المطعم. كانت إميلي تدفع ثمن وجباتهن من مالها الخاص. لم تصنع ضجة ولم تسجل اسمها في أي قائمة خيرية بل اكتفت بأن تتأكد من أنهن شبعن.
ومع مرور الوقت بدأت الفتيات يزدهرن. أخبرتها غريس عن حلمها بأن تصبح معلمة. وكانت ليلي تحلم بأن تكون ممرضة. أما إيما فكانت ترسم كل ما تراه حولها. بينما كانت روز الصغرى تتعلق بمئزر إميلي كل مساء وتقول
أريد أن أصبح مثلك.
كانت إميلي تبتسم لكنها في أعماقها كانت تتمنى لو استطاعت أن تقدم لهن أكثر.
كانت تزور دار الأيتام كلما سنحت لها الفرصة وتساعد الفتيات في واجباتهن المدرسية بين الزبائن وتدخر المال لشراء معاطف شتوية لهن.
مرت عشر سنوات. كبرت الفتيات وأصبحن شابات وغادرن البلدة واحدة تلو الأخرى لملاحقة أحلامهن.
وفي إحدى الليالي المتأخرة وقفت إميلي وحدها في مطبخ المطعم تمسح الطاولة حين رن جرس الباب. لم يكن زبونا بل مديرة دار الرعاية.
قالت بحذر
هناك أخبار تتعلق بالعائلة البيولوجية للفتيات.
توقف قلب إميلي لحظة.
وأكملت المديرة
لقد وجدوا أحد أقاربهن.
شعرت إميلي وكأن الأرض تميد بها. لم تعرف إن كان عليها أن تشعر بالفرح أم بالخۏف.
ولم تكن تعلم أن اثني عشر عاما ستمر ليعود الماضي الذي أحبته ثم تركته إلى بابها بطريقة لم تتوقعها أبدا.
بعد زيارة مديرة الرعاية أجبرت إميلي نفسها على الابتسام والاستمرار في العمل. ظلت تردد في داخلها أن هذا خبر سعيد فالفتيات سيحصلن أخيرا على عائلة وهن يستحقن ذلك يستحقن أكثر من مطعم صغير ونادلة لا تملك سوى الحب.
لكن حين جئن ليودعنها كان الوداع أقسى مما تصورت.
قالت غريس بصوت حاولت تثبيته
قالوا إنه عمنا. وهو ميسور الحال. يريد أن يتكفل بنا.
أومأت إميلي لكن حلقها انقبض.
تقدمت ليلي وقالت
لقد كنت لنا أكثر من أي شخص آخر. أردنا فقط أن تعرفي ذلك.
احتضنت إميلي الفتيات واحدة تلو الأخرى. وحين وصلت إلى روز