ماما... إنتِ مش هتاكلي؟ج3.. حكايات منــال عـلـي

الجزء الثالث

ريحة المستشفى كانت خليط بين المطهرات، والهدوم المبلولة من المطر، والخۏف اللي الناس شايلينه جواهم ومش عارفين يودوه فين.

كنت قاعدة في صالة الانتظار، وملك قاعدة جنبي.

ماسكة كوب قهوة ورقي من أكتر من ساعة، لكني ما شربتش منه ولا رشفة.

المطر كان بيخبط على الشبابيك بقوة، كأنه عايز يدخل هو كمان.

كنت سايبة عمر وياسين وحبيبة عند أم محمد الجارة.

أول ما وصلتلها حضنتني جامد وقالت:

ـ روحي يا بنتي... وأنا هبقى معاهم لحد ما ترجعي.

ما سألتنيش أي أسئلة.

وكأنها فهمت إن في أوقات الكلام بيبقى حمل زيادة.

أما ملك...

فأصرت تيجي معايا.

ولما حاولت أرفض قالتلي:

ـ لو الموضوع له علاقة ببابا... يبقى لازم أعرف.

وللأسف ما كانش عندي طاقة أجادلها.

فضلنا مستنيين أكتر من ساعتين.

ممرضات رايحة جاية.

تليفونات بترن.

ودكاترة داخلين خارجين.

وفي كل مرة دكتور يطلع من باب القسم، قلبي كان بيقف.

لحد ما أخيرًا جه دكتور كبير في السن.

شعره أبيض.

ووشه باين عليه الإرهاق.

وقف قدامنا وقال:

ـ مدام سلمى؟

قمت بسرعة.

ورجلي كانت بتترعش.

وحسيت بملك تمسك إيدي.

ابتسم الدكتور ابتسامة بسيطة وقال:

ـ هو فاق.

بلعت ريقي بصعوبة.

ـ محمود؟

ـ أيوه.

سكت لحظة وبعدين كمل:

ـ وهو طالب يشوفك.

بصيتله باستغراب.

طالب يشوفني أنا؟

الراجل اللي كان بيسيب أكل على باب بيتي في نص الليل؟

الراجل اللي معاه ولاعة جوزي؟

الراجل اللي بيقول إنه السبب في مۏته؟

ومع ذلك...

كنت عارفة إني لازم أقابله.

وأنا داخلة سألت الدكتور:

ـ هو خطړ؟

الدكتور هز رأسه.

ـ لا... لكنه مصاپ إصابات قوية... وتعبان جدًا... وخاېف جدًا.

الجملة الأخيرة فضلت ترن في وداني.

"خاېف جدًا."

مشيت في الممر الطويل.

والنور الأبيض البارد فوق دماغي.

وقلبي بيدق پعنف.

ولما دخلت الأوضة...

عرفته فورًا.

رغم السنين.

ورغم آثار الحروق اللي كانت مغطية جزء كبير من وشه ورقبته.

كان محمود.

نفس الراجل اللي في صورة الجورنال.

قاعد على السرير.

موصل بأجهزة.

ووشه شاحب.

أول ما شافني...

دموعه نزلت.

ـ مدام سلمى...

قالها بصوت مبحوح.

وقفت عند الباب.

مش قادرة أقرب.

ملك كانت واقفة ورايا.

ساكتة تمامًا.

محمود بص عليها.

وفجأة وشه اتكسر من الحزن.

ـ إنتِ ملك...

ملك اتفاجئت.

ـ إنت تعرف اسمي؟

غمض عينيه ثانية.

ـ أحمد كان دايمًا بيتكلم عنك.

في اللحظة دي حسيت حاجة بتعصر قلبي.

مجرد سماع اسم أحمد من شخص غريب كان كفاية يرجع كل الۏجع من جديد.

جمعت شجاعتي وسألته:

ـ ليه كانت معاك ولاعته؟

محمود بص للسقف شوية.

وبعدين قال:

ـ إداهالي يوم الحريق.

سكتنا كلنا.

فكمل:

ـ كنت مړعوپ... ومش قادر أمسك حتى كباية مية... فحط الولاعة في إيدي وقاللي أركز في أي حاجة حقيقية لحد ما الإسعاف يوصل.

افتكرت صوت الولاعة في إيد أحمد.

وهو بيفتحها ويقفلها وهو بيفكر.

واتخيلته بيديها لمحمود.

كأنه مش بينقذ حياته بس...

ده بيديله سبب يتمسك بيه بالحياة.

ـ حاولت أرجعهاله بعد كده.

قال محمود.

ـ لكنه رفض.

بصيتله.

ـ رفض؟

هز رأسه.

ـ قالي احتفظ بيها لحد ما تحس إنك تستحق تعيش.

دموعه نزلت أكتر.

ـ وأنا عمري ما حسيت بكده.

ساعتها الڠضب اڼفجر جوايا.

لأن ألمه مش هيرجع أحمد.

ودموعه مش هتعوض عيالي عن أبوهم.

ـ كتبت إنك مقدرتش تنقذه.

قلت بصوت مرتعش.