إفصل مفتاح الكهرباء الرئيسي ج3.. حكايات منــال عـلـي

الجزء الثالث 
أم حسن وقفت مكانها في مدخل العمارة، نزلت أكياس الخضار من إيدها على أول درجة في السلم وهي مش مصدقة عينيها. العمال كانوا شايلين الديب فريزر وبيميلوه ببطء عشان يعدي من البوابة، والحتة اللي كان محطوط فيها في البسطة ظهرت فاضية تماماً، ومفيش فيها غير بقعة تراب معلمة على الحيطة والموزاييك.
أم أشرف كانت واقفة ساندة ضهرها على الحيطة، حاطة طرحتها على كتافها من غير ما تربطها، وعينيها باصة في الأرض. ملامح الردح والوش المحمر اللي كان هيطق من الڠضب والغل اختفت، وحل مكانها دبلان وكسرة نفس أول مرة أم حسن تشوفها فيها.
في اللحظة دي، خرج سامح من باب الشقة، ساند دراعه اليمين بجبيرة شاش عريضة ومربوطة بحزام على رقبته، ووشه فيه كدمة زرقا تحت عينه. ملامح الثقة والبدلة الشيك اختفوا، وبقى لابس ترينج بيتي دبلان، وباصص في الأرض هو كمان وهو بيناول العامل بقية الحساب.
أم حسن استعجلت خطوتها وطلعت السلم، وقلبها بينبض بسرعة. أول ما أم أشرف حست بخيالها، رفعت عينيها المکسورة، وبصوت مبحوح وخالٍ من أي نبرة شړ، قالت:
ـ خلاص يا أم حسن... ريحتي قلبك؟ العمارة فضيتلك.
أم حسن وقفت على بسطة السلم، اتنفست بهدوء وقالت بقلب جامد بس من غير شماتة:
ـ أنا ما خربتش بيت حد يا أم أشرف، إنتوا اللي خربتوا بيتكم بإيدكم وعمايلكم. أنا كنت دايماً بقول يا حيطة داريني، وبدفع ډم قلبي في الفواتير وإنتوا عايشين على قفايا.
سامح اتدخل بصوت واطي ومكتوم، من غير ما يبص في عينها:
ـ خلاص يا حاجة.. اللي حصل حصل. المحضر التاني بتاع "شروع في السړقة" وتخريب العداد بوظلي الدنيا في الشغل، والشركة عملت لنا قضية تعويض بمبلغ وقدره.. إحنا لمينا حاجتنا وماشيين من الشقة كلها، سيبنا لكم الجمل بما حمل.
أم أشرف دمعتها نزلت على خدها، ومسحتها بطرف طرحتها وهي بتقول:
ـ عمرنا ما اتهد حيلنا ولا اتمس بكرامتنا الأرض كده.. بس النصيب. يالا يا سامح يا ابني، العمال نزلوا الحاجه كلها.
أم حسن بصت لسامح وقالتله بلهجة قاطعة:
ـ الورقة اللي رميتها في صندوق البوسطة، والكاميرا اللي لقطتك وإنت بتلعب في السلك بالليل وتكتم الفيشة لحد ما كانت ھتحرق شقتي باللي فيها.. هما اللي جابوا الآخر يا سامح. أنا كنت هكتفي بالغرامة، بس اللعب في الأرواح مفيهوش سماح. لولا إن أمك ست كبيرة وأنا راعيت ربنا فيها، كنت كملت في قضية الجناية.. بس ربنا تولى نصرتي.
سامح مردش، أخد أمه من إيدها وبدأوا ينزلوا السلم بخطوات ثقيلة، وصوت جزمتهم على الرخام كان هو الصوت الوحيد اللي مسموع في العمارة كلها.
أم حسن فضلت واقفة في البسطة لحد ما صوت عربية النقل تحت اختفى تماماً. بصت على المكان الفاضي اللي كان فيه الديب فريزر، وبصت على علامة القفل الجديد اللي على بابها، وأخدت نفس طويل وغمضت عينيها.
لأول مرة من شهور طويلة، حست بنسمة هواء باردة ونظيفة داخلة صدرها. العمارة رجعت هادية بجد، مش هدوء الخۏف، لأ.. هدوء الأمان. دخلت شقتها، قفلت الباب وراها بالمفتاح والكالون الجديد، وراحت قعدت على الكنبة وهي بتقول من قلبها:
ـ الحمد لله.. الحق لسه موجود، والبلد دي لسه فيها قانون.