بنـت الاصول بقلم منــال عـلـي

"يا ترجعي البيت، يا تقعدي عندك بقى.. أنا العيلة دي مش عايزها"
دي الكلمة اللي رماها في وشي "محمود" جوزي بعد ست شهور من الخلاف.. والحمد لله إن ولادي كانوا حواليه وفهموا موقفي ووقفوا في ضهري. ورغم إن كل المعارف والناس كانوا بيلووا بوزهم ويقولوا "إنتي اللي بتخربي بيتك بإيدك"، بس أنا قلبي كان جامد وما رجعتش في كلمتي وفضلت مكاني.
أنا عمري ما عشت في دلع ولا رغد. من صغري وشقايا على كتافي بساعد أمي، عشان أبويا سابنا بدري والحمل كان تقيل. كنت بنزل معاها الغيط، نزرع ونحصد ونعرق تحت الشمس، عشان بس نلاقي لقمة ناكلها بالحلال.
ولما جالي النصيب واتجوزت محمود، قولت خلاص الدنيا هتضحك لي والحمل هيخف.. بس الحقيقة كانت صدمة. بدأنا نبني شقتنا طوبة طوبة في حوش بيت أهله. كنا راسمين إننا في سنة واحدة هنفرش وندخل بيتنا.. بس الحكاية سحبت معانا خمس سنين مرار وتوفير من اللقمة عشان نجيب شيكارة أسمنت ولا نقلة رمل. بقلم منــال عـلـي 
يا دوب خلصنا أوضة واحدة ونقلنا فيها، وفي الأوضة دي شرفت بنتي "آية". الدنيا كانت ماشية "بالزق"، والحال ضاق بينا لدرجة إننا كنا بنحارب عشان نجيب تمن رغيف العيش. قضينا ست سنين عايشين في الأوضة دي والبيت كله لسه "على المحارة".
وبعدين لما الحال اتحسن والشغل مشي، بدأنا واحدة واحدة نشطب في البيت بالتحويش من الضروريات. فرشنا الأرضية ومحرنا الحيطان وركبنا السقف. بيت بسيط ومستور.. وأهو "محمود" هو اللي قاعد فيه لوحده لحد النهاردة.
أنا ومحمود عندنا تلات ولاد، وكانوا خلاص في أواخر أيام المدرسة لما أمي تعبت وفقدت القدرة على الحركة وبقت طريحة الفراش. كان لازم آخدها تعيش معايا في شقتي في المدينة عشان أراعيها وأنا بشتغل، بس محمود وحماتي فجأة وقفوا لي زي اللقمة في الزور، ومحمود قالها لي كاش:
— "إحنا مش عارفين الحالة دي هتطول لقد إيه، وهنعيش إزاي كلنا في الظروف دي؟ أنا مبنتش البيت ده بكل التعب ده عشان أدخله وما أطقش الريحة.. جدتي عاشت كدة ست سنين وأنا عارف بقول إيه. إحنا نأجر حد يراعيها وخلاص."
ما فكرتش ثانية واحدة. ناديت ولادي وفهمتهم إني هقعد جنب جدتهم ومش هسيبها. وبعد ست شهور، حط لي الشرط الصعب: "يا أنا يا أمك". اخترت أمي.. ووقع الطلاق.  بقلم منــال عـلـي 
الناس كانت بتاكل وشي: "بتضيعي حياتك وشغلك وبيتك عشان إيه؟"، بس مسمعتش لحد. دي أمي! إزاي أسيبها ليد الغربا؟ مكنتش هاقدر أبداً.والنهاردة، أنا مش ندمانة على أي حاجة. فات عشر سنين على ۏفاتها، وأنا لسه عايشة في بيتها، بربي كام فرخة ومعزة وماشية بستر الله وشغلي على قد متوفره على روايات واقتباسات صحتي. ولادي بيزوروني هما وأحفادي، والبيت دايماً منور بحسهم.
أندم؟ الفكرة دي ملمستش عقلي يوم. بنام مطمنة لأن ضميري مرتاح. أما محمود، فدلوقتي الدنيا دارت بيه وبيمر بنفس الموقف مع أمه، وبيتصل يعتذر ويقول إنه عرف غلطه.
مش عارفة ولادي طلعوا طيبين كدة بالفطرة ولا عشان شافوني قدوة، بس هما دايمًا سندي.
فهل تفتكروا إن فيه حد يقدر يسيب أمه؟ !!! حتى لو كان الثمن هو بيته وعيلته ...