أجبرته على الغناء منفردًا لتُهينه .. حكايات منال علي

أجبرته على الغناء منفردًا لتُهينه — لكنه غنّى نغمات لم تستطع هي حتى الوصول إليها

كان الحشد قد تجمّع تحت السماء المفتوحة في وضح النهار، وكانت أشعة الشمس تنعكس عن المسرح الخارجي الضخم وتتراقص في آلاف العيون المتحمسة. وما كان من المفترض أن يكون مجرد حفلٍ موسيقيٍ عاديٍ بعد الظهر بدا فجأة مختلفًا؛ أثقل قليلًا، ومشحونًا بشيءٍ غير مريح.

بقلم منال علي 

في وسط الأضواء الساطعة، ومكبرات الصوت العملاقة، وهتافات المعجبين، وقف شخص لم يكن أحد قد انتبه إليه من قبل: عامل نظافة يرتدي زيًا أزرق باهتًا. كانت يداه خشنتين من سنواتٍ طويلةٍ قضاها في تنظيف الأرضيات التي يمشي عليها الآخرون دون أن يلقوا لها بالًا متوفره على روايات واقتباسات 

وعلى الطرف المقابل له كانت تقف مغنيةٌ عالمية الشهرة، يعشقها الملايين، تبتسم ابتسامة جعلت الهواء يبدو حادًا بدلًا من أن يكون دافئًا. لم يكن أحد يعلم بعد أن هذا الظهيرة العادية على وشك أن تتحول إلى لحظةٍ ستهز قلوب كل من يشاهدها.

كان عامل النظافة يعمل في المكان منذ الصباح الباكر، يكنس الممرات، ويمسح المقاعد، ويجمع القمامة التي تركتها تدريبات الحفل. كان يتحرك بهدوءٍ وحذر، شبه غير مرئي، كما اعتاد دائمًا.

نادراً ما كان اسمه يعني شيئًا للناس. كانوا بالكاد يلاحظون وجوده إلا عندما يغيب.
ومع ذلك، كانت الموسيقى تعيش في داخله دائمًا. فقبل وقتٍ طويلٍ من ارتدائه زيّ عامل النظافة، كان يدندن بالألحان بينما يعمل في وظائف متفرقة.

كان يغني بصوتٍ خاڤت خلال فترات استراحة الغداء، تاركًا للموسيقى أن تكون المكان الوحيد الذي لا تبدو فيه الحياة ثقيلة. لكن الحياة لم تكن لطيفة معه. فالأحلام كانت مكلفة، والبقاء على قيد الحياة يأتي أولًا. وهكذا بقي الغناء مخبأً، محبوسًا خلف الواجب والإرهاق.

وبينما كانت المغنية الشهيرة تستعد لأدائها، محاطة بالمساعدين والكاميرات، لاحظت عامل النظافة واقفًا قرب حافة المسرح ينظف بصمت. كان في هدوئه شيءٌ ما يثير انزعاجها. بقلم منال علي 

وفي لحظةٍ أرادت أن تبدو مسلية للجمهور، قررت أن تجعله جزءًا من العرض. وبضحكةٍ واثقة وإيماءاتٍ مسرحية مبالغ فيها، لفتت الأنظار إليه وقدمت الأمر على أنه تحدٍّ مرح.

تفاعل الجمهور بفضولٍ وتسليّة، معتقدين أن الأمر مجرد مزحة بريئة.
أما عامل النظافة، فقد شعر بصدره يضيق. بقلم منــال عـلـي 

لم يكن قد طلب هذا الاهتمام.
ولم يكن قد طلب أن يراه أحد.

سُحب إلى المسرح تحت شمس الظهيرة الساطعة، فامتزجت حرارته بالحرج. تداخلت الوجوه في ذهول بينما حدق به الآلاف. بدا زيه الرسمي أكثر تهالكاً تحت الأضواء، وارتجفت يداه قليلاً.

وقفت المغنية بثقة في الجوار، متأكدة أن هذه اللحظة ستزيدها تألقًا. لم يخطر ببالها قط أن هذا الرجل الهادئ قد يضاهي موهبتها. بالنسبة لها، كان الأمر مجرد مزحة. أما بالنسبة له، فقد كان الأمر أشبه بالوقوف على حافة هاوية.

بدأت الموسيقى بهدوء، لحن مألوف أيقظ شيئًا ما في أعماقه. حاول الخۏف أن يسيطر عليه، وهمس بكل الأسباب التي تدفعه للفشل. فكّر في السنوات التي قضاها في التنظيف بدلًا من السعي وراء أحلامه

تذكر الأوقات التي كبت فيها خيبة الأمل واستمر رغم ذلك. وللحظة وجيزة، فكر في ترك الموقف يمر، ليقدم للجمهور ما توقعوه بالضبط: أداءً محرجاً لا يُنسى.

لكن فجأةً تغير شيء ما. خفت الضجيج. اختفت الوجوه. لم يبقَ سوى الموسيقى. أغمض عينيه وغنى. لم تكن النوتة الأولى عالية، لكنها كانت صافية.