صرختُ اليوم في وجه رجلٍ يبلغ من العمر خمسةً وثمانين عامًا. لم يكن غريبًا.

صرختُ اليوم في وجه رجلٍ يبلغ من العمر خمسةً وثمانين عامًا.
لم يكن غريبًا.
كان الرجل الذي علّمني كيف أمشي.

أشارك هذه القصة لأنني بحاجة إلى الاعتذار ليس له وحده، بل لتلك النسخة من نفسي التي كنت أظنّ أنني أصبحتها. إن كان لك والدان يتقدّمان في العمر، أو إن كنت مشغولًا إلى حدٍّ لا يترك لك وقتًا لالتقاط أنفاسك، فأرجوك خُذ دقيقتين لقراءة هذه الكلمات. قد تغيّر الطريقة التي تنظر بها إلى الشخص الجالس أمامك.

أبي، فرانك، يبلغ من العمر خمسةً وثمانين عامًا. كان نجّارًا، رجلًا بنت يداه المنزل الذي نشأت فيه. أمّا اليوم، فتلك اليدان ترتجفان حين يحمل فنجان القهوة، وقد تحوّلت خطواته إلى مشيٍ بطيء حذر.

في الأحد الماضي، كنّا نجلس على الشرفة الخلفية لمنزلي في الضاحية. كان ظهرًا رطبًا خانقًا، تختلط فيه رائحة العشب الطازج بدخان الفحم المتصاعد من شواية أحد الجيران.

كنت حاضرًا بجسدي فقط. أمّا ذهني، فكان غارقًا في هاتفي: أتنقّل بين رسائل البريد الإلكتروني، وأتفقد أسعار الأسهم، وأقلق بشأن أسبوع العمل القادم. كان أبي يجلس على كرسيه المصنوع من الخوص، يحدّق في شجرة البلوط في الفناء.

وفجأة، هبط وميض أزرق على السياج. طائرٌ أزرق زاهٍ، صاخب.

قال أبي، وصوته يخفت قليلًا:
«ما هذا يا بني؟»

دون أن أرفع عيني عن الشاشة، تمتمت:
«إنه طائر أزرق، يا أبي».

ثم عدتُ إلى الكتابة.

بعد لحظات، انتقل الطائر إلى غصنٍ أقرب.

قال أبي مرة أخرى، بنبرة دهشة صادقة، كأنه لم يسأل من قبل:
«ما هذا الطائر يا بني؟»

تنهدتُ بصوتٍ مسموع. أنزلتُ هاتفي بانزعاج وقلت:
«أبي، لقد أخبرتك للتو. إنه طائر أزرق».

ثقل الهواء بيننا. عاد إلى هزّ كرسيه ببطء. وعدتُ إلى هاتفي.

ثم جاءت المرة الثالثة.

«أيّ نوع من الطيور هذا على السياج، مايك؟»

حينها، اڼفجر شيءٌ ما بداخلي. الضغط، الحرّ، التكرار—كلّ شيءٍ بلغ ذروته.

صرختُ:
«إنه طائر أزرق! طائر أزرق! يا إلهي يا أبي، لقد أخبرتك ثلاث مرات في دقيقتين! لماذا لا تُصغي إليّ؟»

كان الصمت الذي تلا ذلك مدويًا.

لم يجادل أبي. لم يرفع صوته. لم ينظر إليّ حتى. توقّف عن هزّ الكرسي، أمسك بالمساند، ونهض ببطء، ثم دخل المنزل دون أن ينطق بكلمة.

جلستُ في مكاني، قلبي يخفق پعنف، وهاتفي في يدي، أشعر بأنني أصغر رجل على وجه الأرض. كنت غاضبًا من نفسي، لكن كبريائي أبقاني في الكرسي. أقنعت نفسي بأنه يحتاج إلى تنبيه، بأنه مُرهق.

بعد خمس دقائق، صرّ باب الشبك.

خرج أبي مجددًا. لم يكن يحمل قهوته ولا جريدته، بل دفترًا قديمًا مهترئًا، غلافه الجلدي متشقق، وعموده الفقري مُثبت بشريط لاصق. كان سجل متجره حين كان يدير عمله في النجارة متوفره على صفحه روايات واقتباسات جلس، وقلّب الصفحات الصفراء بإبهامه المبلل، حتى توقّف عند صفحة محددة، ثم ناولني الدفتر.

همس:
«اقرأ بصوتٍ عالٍ».

نظرتُ إلى الصفحة. كان خط اليد قويًا واضحًا—خطّ الرجل الذي كان عليه قبل أربعين عامًا.

«12 نوفمبر 1984».

تنحنحتُ وبدأت أقرأ: