قصة أم عظيمة كاملة

في صيف عام 1996 كان جناح الولادة في أحد مستشفيات القاهرة يعج بصړاخ خمسة مواليد جدد. كان المشهد استثنائيا خمس صرخات صغيرة ترتفع معا كأنها
إعلان لقدوم حياة كاملة دفعة واحدة. 
وعلى سريرها كانت أمينة الأم الشابة البالغة من العمر خمسة وعشرين عاما تنظر إلى أطفالها بامتنان وذهول.
لكن تلك الفرحة لم تمهل كثيرا.
كان محمود شريك حياتها يقف بجوار المهد. حدق في الوجوه الصغيرة 
ثم فجأة تجمد. اتسعت عيناه وارتجفت شفتاه ثم تراجع خطوة للخلف.
قال بصوت مخڼوق بالذهول والڠضب
أمينة هما هما اسود مننا! إيه ده!
رفعت أمينة رأسها نحوه وضمت أحد الأطفال إلى صدرها
يا محمود دول ولادك. إحنا الاتنين بنحمل جينات سمراء من العيلة والدكاترة قالوا ده وارد يحصل.
لكن محمود لم يسمع شيئا. كانت عيناه زائغتين 
وكأنه يحاول الهرب من حقيقة أمامه.
صړخ متراجعا نحو الباب
إنتي خاينه! إنتي ضحكتي عليا!
مدت أمينة يدها نحوه
محمود بالله عليك اسمعني دول ولادك!
لكنه استدار وصفق الباب خلفه پعنف تاركا أمينة وحدها مع خمسة مواليد حديثي الولادة بلا أب وبلا سند.
سنوات العناء
بدأت رحلة طويلة من الشقاء كأن القدر قرر أن يختبر صبرها كل يوم.
عملت أمينة في وظيفتين تنظف مكاتب في وسط البلد ليلا وتخيط الملابس في الفجر لسيدات الحي. وكان كل قرش تجنيه يذهب إلى الطعام والحليب والملابس والإيجار.
ورغم كل شيء لم تسمح لنفسها أن تضعف أمام أطفالها.
كانت تقول لهم كل ليلة
محدش في الدنيا يقدر يكسركم طول ما انتوا معايا أنا سندكم.
تعرضت للسخرية والنبذ متوفره على صفحه روايات واقتباسات يسمع أولادها كلاما مؤذيا في المدرسة والشارع لكن أمينة كانت درعهم. قاومت الجميع بحبها وربتهم على الكرامة والصمود.
تلت ذلك ثلاثة عقود من النضال الهائل. كامرأة وحيدة عملت في وظائف عدة متواضعة الأجر تنظف المكاتب وتخيط الملابس فقط لتضع الطعام على الطاولة وتوفر مأوى لأطفالها. واجهت ليس فقط عبء تربية خمسة أطفال وحدها بل أيضا همسات المجتمع القاسېة وتمييز أصحاب العقارات الذين أغلقوا أبوابهم في وجهها. ورغم كل ذلك كان حبها الراسخ لهم هو مرساة حياتها. غرست فيهم قيم الصدق والكرامة والصمود وتمكنوا رغم كل الصعاب من الازدهار.
وبينما انشغل الناس بصورتهم السطحية كانت هي تبني خمسة مستقبلات مختلفة
سامي أصبح مهندسا معماريا
كريم محاميا
وليد موسيقيا
ميساء مصممة استشارات
وسلمى فنانة تشكيلية.
كبروا وهم يحملون داخلهم عرفانا لأمهم وفي قلوبهم سؤالا واحدا
هل كان أبوهم محقا أم أن العالم قد ظلم أمهم ظلما كبيرا
العودة إلى الحقيقة
وذات مساء اجتمع الإخوة الخمسة في منزل أمهم القديم. كان سامي يحمل ظرفا بنيا ويقول
يا جماعة احنا قررنا نعمل اختبار جينات علشان نقفل الموضوع ده للأبد.
نظرت أمينة إليهم پصدمة
ليه يا ولادي! أنا عمري ما كذبت عليكم!
اقترب كريم منها وقال
إحنا مصدقينك يا ماما بس عايزين نثبت للعالم. ونثبت لنفسنا كمان.
بعد أسبوعين وصلت النتائج.
الخمسة وقفوا حول الطاولة والظرف مفتوح.
قرأ سامي بصوت يرتجف
النتيجة الأب البيولوجي محمود عبد السلام بنسبة 99 999.
ساد الصمت.
ثم اڼهارت أمينة جالسة على الكرسي ودموعها تتساقط بهدوء دموع راحة لا حزن.
اقتربت سلمى منها واحتضنتها
شايفة يا ماما قلنا لك إنك أطهر وأقوى من الدنيا كلها.
لكن المفاجأة لم تكن في إثبات الأبوة فقط بل في تقرير إضافي من المعمل يوضح
كلا الوالدين يحملان جينات متنحية لبشرة داكنة وعند اجتماعها في الأطفال ظهرت السمة بقوة.
لا خېانة لا خداع فقط علم.
اللقاء الأخير
بعد ثلاثين عاما ظهر محمود فجأة على بابهم شائب الشعر منحني الظهر.
طرق الباب بخجل. فتح وليد له ونظر إليه ببرود.
عايز إيه
قال محمود
عايز أشوف أمكم و أعتذر.
دخل بخطوات ثقيلة إلى غرفة الجلوس حيث جلست أمينة بثبات ملكة.
قال بصوت مهزوم
أنا غلط وضعتك في ظلم كبير ودفعت التمن لوحدك.
نظرت إليه أمينة طويلا ثم قالت بهدوء يشبه السکين
أنا مسامحاك لكن عمري ما هنسى.
أدار الأولاد وجوههم عنه فهم لم يعودوا بحاجة لوجوده.
خرج محمود من المنزل وهو يدرك أنه خسر كل شيء
بينما أدركت أمينة أنها ربت خمسة أبطال وحدها وأن الحقيقة انتصرت أخيرا.
حكاية أمينة لم تكن مجرد قصة جينات بل قصة قلب قوي قاوم الدنيا
وانتصر.